بعملكم هذا ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ بكم ، ذلك اليوم بما فيه من الشّرور ، إحاطة الدّائرة بما فيها ، بحيث لا ينجو منها أحد.
قيل : إنّ التّهديد بتوصيف اليوم بالإحاطة ، أبلغ من توصيف العذاب بها (١) .
﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا
تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾
ثمّ أكّد ردعهم عن عادتهم الشّنيعة بقوله : ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ والعدل عند إيفائكم الحقوق إلى صاحبها ، أو استيفائكم حقوق أنفسكم من غيركم. ومن المعلوم أنّ لازم وجوب الوفاء الاحتياط فيه عند الشكّ فيه ، حتّى يعلم بحصوله.
عن الباقر عليهالسلام : « وجدنا في كتاب رسول الله صلىاللهعليهوآله إذا طفّف (٢) المكيال والميزان أخذهم الله بالسّنين والنّقص » (٣) .
وفي رواية اخرى : « وشدّة المؤنة ، وجور السّلطان » (٤) .
ثمّ عمّم النّهي عن تنقيص جميع الحقوق ولو كان إيفاؤها بغير المكيال والميزان بقوله : ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ﴾ ولا تنقصوهم ﴿أَشْياءَهُمْ﴾ التي يجب عليكم أن تؤدّوها إليهم بالكيل والوزن ، أو بغيرهما من الأموال والحقوق.
ثمّ عمّم النّهي لمطلق الإضرار على الغير ، والإفساد في دينهم أو دنياهم بقوله : ﴿وَلا تَعْثَوْا﴾ ولا تسعوا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ حال كونكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾ مصالح أنفسكم وأبناء نوعكم ، دنيويّا واخرويّا ، أو المراد : لا تسعوا في إفساد امور غيركم حال كونكم بهذا الإفساد مفسدين في امور أنفسكم.
﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾
ثمّ بالغ في النّصح بقوله : ﴿بَقِيَّتُ اللهِ﴾ وما رزقكم من الحلال ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وأنفع ممّا تكتسبون بالتّطفيف والبخس وغيرهما ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بأحكام الله وثوابه وعقابه في الآخره ، تصدّقون قولي ، أو المراد : إن كنتم مصدّقين بأنّي ناصح لكم ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ورقيب حتّى أجبركم على ترك القبائح ، أو حافظ لأعمالكم كي اجازيكم بها ، وإنّما أنا نذير والله هو الحفيظ ، أو المراد : وما
__________________
(١) تفسير أبي السعود ٤ : ٢٣١.
(٢) طفّف المكيال : إذا بخسه ونقصه.
(٣) الكافي ٢ : ٢٧٧ / ٢ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٦٧.
(٤) الكافي ٢ : ٢٧٧ / ١ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٦٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
