يُبْخَسُونَ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها
وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) و (١٦)﴾
ثمّ لمّا كان غرض الكفّار - من معارضة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وتكذيب القرآن ، واقتراحهم عليه بجعل جبال مكّة ذهبا ، وتعييره بعدم نزول كنز عليه - طلب الدّنيا وحبّ زخارفها ، لا طلب الحقّ والآخرة ، هدّدهم بغاية الخسران ، وعذاب النّيران في الآخرة بقوله : ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ﴾ ويطلب ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها﴾ وزخارفها بأعماله الخيريّة ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ ونعطهم كاملا ما يساوي ﴿أَعْمالَهُمْ﴾ من الأجر الدّنيوي ﴿فِيها﴾ لأنّ هممهم مقصورة على تحصيل الدنيا ﴿وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ولا ينقصون شيئا من اجورهم ، بحيث إذا خرجوا منها لم يكن معهم أثرها ، حتّى لا يستحقّون شيئا من الثّواب الموعود عليها في الآخرة ﴿أُولئِكَ﴾ الطّالبون للدنيا هم ﴿الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ لعدم لياقتهم إلّا لها ﴿وَحَبِطَ﴾ وفسد ﴿ما صَنَعُوا فِيها﴾ من الأعمال الصّالحة ، لعدم كونها لوجه الله ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ رياء وسمعة ، لعدم صلوحه في نفسه لترتيب الأجر عليه.
﴿أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً
وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ
فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد بيان سوء حال الكفّار في الآخرة وغاية خسرانهم ، وضعة محلّهم ، بيّن حسن حال النبي صلىاللهعليهوآله والمؤمنين ، ورفعة مقامهم ، بإنكار التّساوي بينهما بقوله : ﴿أَ فَمَنْ كانَ﴾ قادرا ومستوليا ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ وحجّة واضحة كائنة ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ على صحّة دينه ، وبرهان على كلّ حقّ وصواب ، ويتبع ذلك البرهان ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ أو يتبع ذلك الذي كان على بيّنة ﴿شاهِدٌ﴾ ومصدّق ﴿مِنْهُ﴾ يشهد له على صدقه ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ تشهد له التّوراة التي هي ﴿كِتابُ مُوسى﴾ حال كونه ﴿إِماماً﴾ وتبعا ﴿وَرَحْمَةً﴾ ونعمة للنّاس ، كمن يريد الكفر والضّلال طلبا للدّنيا وزينتها ، لا يكون ذلك أبدا ، فكيف وبينهما بون بعيد ؟
وقيل : إنّ وجه النّظم بين الآيتين وسابقتهما ، أنّه لمّا أمر الله المؤمنين بأن يزدادوا يقينا بنزول القرآن بعلم الله ، بعد ظهور عجز البشر عن الإتيان بمثله ، وبيّن أنّ الكفّار لا حظّ لهم في الآخرة ، كان مجال توهّم الحظّ لهم فيها بسبب الأعمال الخيريّة ، دفع الله ذلك التوهّم بقوله : ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
