أقبلت ريح صفراء مظلمة مسرعة لها صرير وحفيف [ وهدير ] ، فلمّا رأوها عجّوا جميعا بالصّراخ والبكاء والتضرّع إلى الله ، وتابوا واستغفروا ، وصرخت الأطفال بأصواتها تطلب امّهاتها ، وعجّت سخال البهائم تطلب الثّدي ، وثغت (١) الأنعام تطلب الرّعي ، فلم يزالوا بذلك ، ويونس وتنوخا يسمعان صيحتهم وصراخهم ، ويدعوان الله بتغليظ العذاب عليهم ، وروبيل في موضعه يسمع صراخهم وعجيجهم ويرى ما نزل ، وهو يدعو الله بكشف العذاب عنهم.
فلمّا أن زالت الشمس ، وفتحت أبواب السّماء ، وسكن غضب الربّ تعالى ، رحمهم الرّحمن ، واستجاب دعاءهم وقبل توبتهم ، وأقالهم عثرتهم. وأوحى إلى إسرافيل أن اهبط إلى قوم يونس فإنّهم عجّوا إليّ بالبكاء والتضرّع ، وتابوا إليّ واستغفروني ، فرحمتهم وتبت عليهم ، وأنا الله التّواب الرّحيم ، أسرع إلى قبول توبة عبدي التائب من الذّنب ، وقد كان عبدي يونس ورسولي سألني نزول العذاب على قومه وقد أنزلته عليهم ، وأنا الله أحقّ من وفى بعهده ، ولم يكن اشترط يونس عليهالسلام حين سألني أن انزل عليهم العذاب أن اهلكهم. فاهبط إليهم واصرف عنهم ما نزل بهم من عذابي.
فقال إسرافيل : يا ربّ ، إنّ عذابك بلغ اكتافهم وكاد أن يهلكهم ، وما أراه إلّا وقد نزل بساحتهم ، فإلى أين أصرفه ؟
فقال الله : كلا ، إنّي قد أمرت ملائكتي أن يصرفوه ولا ينزلوه عليهم ، حتّى يأتيهم أمري فيهم وعزيمتي ، فاهبط يا إسرافيل عليهم واصرفه عنهم ، واصرف به الى الجبال وناحية مفاض (٢) العيون ومجاري السّيول ، في الجبال العاتية العادية المستطيلة على الجبال ، فأذلّها به وليّنها حتّى تصير ملتئمة حديدا جامدا. فهبط إسرافيل فنشر أجنحته ، فاستاق بها ذلك العذاب حتّى ضرب بها تلك الجبال التي أوحى الله إليه أن يصرفه إليها » .
قال أبو جعفر عليهالسلام : « وهي الجبال التي بناحية الموصل اليوم ، فصارت حديدا إلى يوم القيامة.
فلمّا رأى قوم يونس أن العذاب قد صرف عنهم ، هبطوا إلى منازلهم من رؤس الجبال ، وضمّوا إليهم نساءهم وأولادهم وأموالهم ، وحمدوا الله على ما صرف عنهم. وأصبح يونس وتنوخا يوم الخميس في موضعهما الذي كانا فيه ، لا يشكّان أنّ العذاب قد نزل بهم وأهلكهم جميعا لمّا خفيت أصواتهم عنهما ، فأقبلا ناحية القرية يوم الخميس مع طلوع الشّمس ينظران إلى ما صار إليه القوم ، فلمّا دنوا من القوم واستقبلتهم الحطّابون والحمّارة (٣) والرّعاة بأغنامهم ، ونظروا إلى أهل القرية
__________________
(١) أي صاحت.
(٢) في تفسير العياشي : الجبال بناحية مفائض.
(٣) الحمّارة : أصحاب الحمير.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
