وعلمك فيهم ظاهر لا باطن له.
يا يونس ، قد أجبتك إلى ما سألت من إنزال العذاب عليهم ، وما ذلك يا يونس بأوفر لحظّك عندي ، ولا أحمد (١) لشأنك ، وسيأتيهم عذاب في شوّال يوم الأربعاء وسط الشّهر بعد طلوع الشّمس ، فأعلمهم ذلك. فسرّ [ ذلك ] يونس ولم يسؤه ، ولم يدر ما عاقبته.
فانطلق يونس عليهالسلام إلى تنوخا العابد فأخبره بما اوحي إليه من نزول العذاب على قومه في ذلك اليوم ، وقال له : انطلق حتّى اعلمهم بما أوحى الله إليّ من نزول العذاب ، فقال تنوخا : فدعهم في غمرتهم ومعصيتهم حتى يعذّبهم [ الله ] . فقال له يونس : [ بل ] نلقى روبيل فنشاوره ، فإنّه رجل عالم حكيم من أهل بيت النبوّة ، فانطلقا إلى روبيل ، فأخبره يونس بما أوحى الله إليه من نزول العذاب على قومه في شوّال يوم الأربعاء في وسط الشهر بعد طلوع الشّمس ، فقال له : ما ترى ، انطلق بنا حتّى اعلمهم ذلك ؟
فقال له روبيل : ارجع إلى ربّك رجعة نبيّ حكيم ، ورسول كريم ، واسأله أن يصرف عنهم العذاب ، فإنّه غنيّ عن عذابهم ، وهو يحبّ الرّفق بعباده ، وما ذلك بأضرّ لك عنده ، ولا أسوأ لمنزلتك لديه ، ولعلّ قومك بعد ما سمعت ورأيت من كفرهم وجحودهم يؤمنون يوما ، فصابرهم وتأنّاهم.
فقال له تنوخا : ويحك يا روبيل ، ما أشرت على يونس وأمرته [ به ] بعد كفرهم بالله ، وجحدهم لنبيّه ، وتكذيبهم إيّاه ، وإخراجهم إيّاه من مساكنه ، وما همّوا به من رجمه.
فقال روبيل لتنوخا : اسكت ، فإنّك رجل عابد لا علم لك.
ثمّ أقبل إلى يونس عليهالسلام فقال : أرايت يا يونس إذا أنزل الله العذاب على قومك ، أفيهلكهم جميعا أو يهلك بعضا ويبقي بعضا ؟ فقال له يونس : بل يهلكهم جميعا ؛ وكذلك سألته ، ما دخلتني لهم رحمة تعطّف ، اراجع الله فيهم وأسأله أن يصرف عنهم. فقال له روبيل : أتدري يا يونس ، لعلّ الله [ إذا ] أنزل عليهم العذاب فأحسّوا به ، أن يتوبوا إليه ويستغفروا ، فيرحمهمالله فإنّه أرحم الرّاحمين ، ويكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن الله تعالى أنّه ينزل عليهم العذاب يوم الأربعاء ، فتكون بذلك عندهم كذّابا.
فقال له تنوخا : ويحك يا روبيل ، لقد قلت عظيما ، يخبرك النبيّ المرسل أنّ الله أوحى إليه أنّ العذاب ينزل عليهم ، فتردّ قول الله ، وتشكّ فيه وفي قول رسوله ، اذهب فقد حبط عملك.
فقال روبيل لتنوخا : لقد فسد رأيك.
__________________
(١) في تفسير العياشي : أجمل.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
