إن الاستثناء منقطع ، والمعنى : ولكنّ قوم يونس. ﴿لَمَّا آمَنُوا﴾ حين رأوا أمارات العذاب ، وبادروا إلى التّوبة ﴿كَشَفْنا﴾ ودفعنا ﴿عَنْهُمْ﴾ بإيمانهم ﴿عَذابَ﴾ الاستئصال الموقع لهم في ﴿الْخِزْيِ﴾ والهوان والفضيحة ونجّيناهم منه ﴿فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ لكون إيمانهم في وقت الاختيار وبقاء التّكليف ﴿وَمَتَّعْناهُمْ﴾ متاع الدّنيا بعد كشف العذاب عنهم ﴿إِلى حِينٍ﴾ وزمان قدّرناه لهم في علمنا.
روت العامّة : أنّ يونس عليهالسلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذّبوه ، فذهب عنهم مغاضبا ، فلمّا فقدوه خافوا نزول العذاب ، فلبسوا المسوح وعجّوا أربعين ليلة ، وكان يونس قال لهم : إنّ أجلكم أربعون ليلة ، فقالوا : إن رأينا أسباب الهلاك آمنّا بك. فلمّا مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السّماء غيم أسود شديد السّواد ، فظهر منه دخان شديد ، وهبط ذلك الدّخان حتّى وقع في المدينة وسوّد سطوحهم ، فخرجوا إلى الصحراء ، وفرّقوا بين النّساء والصّبيان ، وبين الدّواب وأولادها ، فحنّ بعضها إلى بعض ، فعلت الأصوات وكثرت التضرّعات ، وأظهروا الإيمان والتّوبة ، وتضرّعوا إلى الله تعالى ، فرحمهم وكشف عنهم ، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة (١) .
وعن ابن مسعود : بلغ من توبتهم أن ردّوا المظالم ، حتّى إنّ الرجل كان يقلع الحجر بعد أن وضع عليه بناء أساسه ، فيردّه إلى مالكه (٢) .
عن الفضل بن عبّاس : أنّهم قالوا : إنّ ذنوبنا قد عظمت وجلّت ، وأنت أعظم منها وأجلّ ، افعل بنا ما أنت أهله ، ولا تفعل بنا ما نحن أهله (٣) .
وقيل : إنّهم خرجوا إلى شيخ من بقيّة علمائهم ، فقالوا : قد نزل بنا العذاب فما ترى ؟ فقال لهم : قولوا : يا حيّ حين لا حيّ ، ويا حيّ يا محيي الموتى ، ويا حيّ لا إله إلا أنت. فقالوا ، فكشف الله عنهم العذاب (٤) .
في قصة نزول العذاب على قوم يونس ورفعه بالتوبة
وعن الباقر عليهالسلام يقول : « [ وجدنا في بعض ] كتب أمير المؤمنين عليهالسلام ، قال : حدّثني رسول الله صلىاللهعليهوآله : أنّ جبرئيل حدّثه أنّ يونس بن متّى عليهالسلام بعثه الله إلى قومه وهو ابن ثلاثين سنة ، وكان رجلا تعتريه الحدّة ، وكان قليل الصّبر على قومه والمداراة لهم ، عاجزا عمّا حمّل من ثقل حمل أوقار النبوّة وأعلامها ، وإنّه تفسّخ تحتها كما يتفسّخ الجذع تحت حمله ، وإنّه أقام فيهم يدعوهم إلى الإيمان بالله والتصديق به واتّباعه ثلاثا وثلاثين سنة ، فلم يؤمن به ولم يتبعه من قومه إلّا رجلان ؛ اسم أحدهما روبيل ، واسم الآخر تنوخا ، وكان روبيل من أهل بيت العلم والنبوّة والحكمة ، وكان قديم الصّحبة ليونس بن متّى من قبل أن يبعثه الله بالنّبوّة ، وكان تنوخا
__________________
( ١ و٢ و٣ و٤ ) . تفسير الرازي ١٧ : ١٦٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
