ثمّ بالغ سبحانه في تقرير قدرته الكاملة الدالّة على اختصاص العزّة به بقوله : ﴿هُوَ﴾ القادر ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ وأنشأ ﴿لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ وجعله مظلما ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ وتستريحوا ﴿فِيهِ﴾ من تعب طلب المعاش ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ ومضيئا ، لتتحرّكوا فيه لتحصيل معاشكم ومصالحكم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ الجعل ﴿لَآياتٍ﴾ بيّنات ، وبراهين ساطعات على التّوحيد ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ الدّلائل ، أو آيات القرآن سماع تدبّر وتفهّم واعتبار.
ثمّ أنّه تعالى بعد إبطال القول بوجود الشّريك له ، شرع في إبطال القول بوجود الولد له بقوله : ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللهُ﴾ واختار لنفسه ﴿وَلَداً﴾ من الملائكة ؛ كما هو قول مشركي العرب ، أو من البشر ؛ كعيسى وعزير. ثمّ نزّه ذاته المقدّسة عن هذه النّسبة ، أو أظهر التعجّب من كلمتهم الحمقاء بقوله : ﴿سُبْحانَهُ﴾ كيف يكون له الولد و﴿هُوَ الْغَنِيُ﴾ على الإطلاق ، واتّخاذ الولد من آثار الحاجه ؟ !
ثمّ أكّد غناه بقوله : ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ وما بينهما ، ولا يمكن أن يكون الولد ملكا لوالده.
ثمّ أكّد بطلان قولهم ، بقوله مخاطبا لهم : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ﴾ وما لكم ﴿مِنْ سُلْطانٍ﴾ وبرهان ﴿بِهذا﴾ القول ، وكفى في بطلانه عدم البرهان به.
ثمّ وبّخهم بقوله : ﴿أَ تَقُولُونَ﴾ وتختلقون ﴿عَلَى اللهِ﴾ العظيم ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ من القول ببرهان ساطع ! ومن المعلوم أنّ الالتزام بما لا يعلم عين السّفة ، ومباين لطريقة العقلاء.
﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا
مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٦٩) و (٧٠)﴾
ثمّ أمر سبحانه نبيّه صلىاللهعليهوآله بتهديدهم بقوله : ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ﴾ ويقولون عليه ﴿الْكَذِبَ﴾ من اتّخاذه الشّريك والولد ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ ولا يفوزون بنعمة الآخرة ، ولا ينجون من عذابها.
ثمّ كأنّه قيل : كيف وكثير منهم متنعّمون بالنّعم (١) ؟ فأجاب سبحانه : ذلك ﴿مَتاعٌ﴾ وتلذّذ يسير ﴿فِي الدُّنْيا﴾ زائل بسرعة ﴿ثُمَّ إِلَيْنا﴾ بعد الموت ﴿مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾
__________________
(١) تفسير روح البيان ٤ : ٦٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
