﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ
أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ
كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٤) * (٣٥)﴾
ثمّ أكّد سبحانه الحجّة عليهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد : ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ ومعبوداتكم ﴿مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ ويوجده أوّلا بلا مثال سابق ، من نطفة أمشاج ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ويخلقه ثانيا بعد إمامتته وصيرورته ترابا.
فلمّا كان الجواب في القضيّتين في غاية الوضوح ، لسطوع برهانه ، وإن كانوا جاحدين للمعاد ، أمر نبيّه صلىاللهعليهوآله بأن ينوب عنهم في الجواب بقوله : ﴿قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لا غيره ؛ كائنا ما كان ، فلمّا ظهر ذلك ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ وإلى أين تقلبون عن سبيل الحقّ ؟
ثمّ بالغ سبحانه في تأكيد الحجّة بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد لهم : ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ الّذين تدعون من دون الله ﴿مَنْ يَهْدِي﴾ أحدا ﴿إِلَى﴾ الدّين ﴿الْحَقِ﴾ بنصب الحجج والبراهين ، وإرسال الرّسول ، وإنزال الكتاب ، وتوفيق النّظر والتدبّر فيها ﴿قُلِ اللهُ﴾ بلطفه ﴿يَهْدِي﴾ جميع الخلق ﴿لِلْحَقِ﴾ ويرشدهم إليه بتوسّط الهداة ، فإذا كان الأمر كذلك ﴿أَ فَمَنْ يَهْدِي﴾ النّاس ﴿إِلَى الْحَقِ﴾ وهو الله الهادي لعباده إلى كلّ خير ﴿أَحَقُ﴾ وأولى ﴿أَنْ﴾ يطاع و﴿يُتَّبَعَ﴾ في أحكامه ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ ولا يهتدي إلى شيء من منافعه ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدى﴾ بتوسّط غيره.
قيل : إنّ المشركين لمّا كانوا معتقدين بالوهيّة الأصنام عبّر الله عن أصنامهم بما يغيّر عن العاقل العالم (١) .
وقيل : إنّ المراد من قوله : من ﴿لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى﴾ هم العقلاء من آلهتهم ؛ كالملائكة ، وعيسى عليهالسلام ، وعزير (٢) .
فإذا كان اتّباع الهادي إلى الصّراب واجبا بحكم العقل والوجدان ﴿فَما لَكُمْ﴾ وأيّ داع يدعوكم إلى اتّباع الجماد الذي لا هداية له ، و﴿كَيْفَ﴾ وأنتم عقلاء ﴿تَحْكُمُونَ﴾ بما لا يحكم به عاقل ، وتلتزمون بما لا يلتزم به شاعر.
﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما
__________________
(١) تفسير الرازي ١٧ : ٩١.
(٢) تفسير البيضاوي ١ : ٤٣٥ ، تفسير روح البيان ٤ : ٤٤.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
