﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا
بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾
ثمّ بيّن الله تعالى زيادة خزي المشركين بقوله : ﴿وَيَوْمَ﴾ نحيي الكفّار والمؤمنين ، و﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ في القبور إلى القيامة ﴿جَمِيعاً﴾ لا يشذّ منهم أحد ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ من بينهم ﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ بربّهم غيره في الالوهيّة والعبادة : الزموا أيّها العابدون والمعبودون ﴿مَكانَكُمْ﴾ ولا تبرّحوا عنه ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ الذين تدعون من دون الله ، حتّى ننظر في أمركم ﴿فَزَيَّلْنا﴾ وفرّقنا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ وبين شركائهم الذين كانوا يعبدونهم ، وانقطعت أطماعهم من شفاعتهم. عن القمّي : يبعث الله نارا تزيل بين الكفار والمؤمنين (١) « وقال شركاؤكم » ومعبودوهم من الملائكة والبشر والأصنام وغيرهم ، بعد ما أنطق الله الجمادات منهم : أيّها المشركون ﴿ما كُنْتُمْ﴾ في الدّنيا ﴿إِيَّانا تَعْبُدُونَ﴾ وإنّما كنتم تعبدون أهواءكم ، وتطيعون الشّياطين الآمرين لكم بالشّرك.
﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ * هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ
نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا
يَفْتَرُونَ (٢٩) و (٣٠)﴾
ثمّ لا يكتفون بالتّبري عن المشركين بالإنكار ، بل يستشهدون بالله على قولهم ، بقوله : ﴿فَكَفى بِاللهِ﴾ العالم بحقائق الامور ﴿شَهِيداً﴾ ومطّلعا ﴿بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ في ﴿إِنْ كُنَّا﴾ في الدّنيا ﴿عَنْ عِبادَتِكُمْ﴾ لنا ﴿لَغافِلِينَ﴾ لعدم الحياة والشّعور للجماد ، ولعدم الرّضا بها من غيره ﴿هُنالِكَ﴾ المقام ، وفي ذلك الموقف ﴿تَبْلُوا﴾ وتختبر ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من النّفوس ﴿ما أَسْلَفَتْ﴾ وقدّمت من العقائد والأعمال ، فتعلم خيرها وشرّها ، ونفعها وضرّها ، وأعرضوا عن مطاوعتهم الباطل ﴿وَرُدُّوا﴾ وارجعوا ﴿إِلَى﴾ حكم ﴿اللهِ﴾ الذي هو ﴿مَوْلاهُمُ﴾ ومطاعهم ﴿الْحَقِ﴾ وإلى جزائه وعقابه. وقيل : يعني صاروا ملجأين إلى الإقرار بالوهية الله (٢) ووحدانيّته ﴿وَضَلَ﴾ وضاع ﴿عَنْهُمْ﴾ في ذلك المقام ﴿ما كانُوا﴾ في الدّنيا ﴿يَفْتَرُونَ﴾ على الله بادّعاء الوهيّته وشفاعته.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ
الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ٣١٢ ، تفسير الصافي ٢ : ٤٠٠.
(٢) تفسير الرازي ١٧ : ٨٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
