نَفْسِهِ﴾ ولا يضايقوا من بذلوا (١) مهجهم دونه ، بل عليهم أن يصبروا معه على البأساء والضرّاء ، وأن يفدوا بأنفسهم لنفسه برغبة ونشاط ﴿ذلِكَ﴾ الثّبات معه ، أو الإلزام منّا على متابعته ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ إذا ثبتوا على الجهاد معه ، والتزموا بخدمته ﴿لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ ولا ينالهم عطش ﴿وَلا نَصَبٌ﴾ وتعب في أبدانهم ، ولو كانا يسيرين ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ﴾ ومجاعة ، ولو كانت قليلة ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وترويج دينه ، وإعلاء كلمته ﴿وَلا يَطَؤُنَ﴾ بأقدامهم وحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم ﴿مَوْطِئاً﴾ ومكانا ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ ويسوءهم وطء المسلمين فيه من أراضيهم ﴿وَلا يَنالُونَ مِنْ﴾ قبل ﴿عَدُوٍّ﴾ من أعداء الله ﴿نَيْلاً﴾ من آفة ومحنة ، من قتل وجراحة وأسر وخوف ﴿إِلَّا كُتِبَ﴾ في صحيفة أعمالهم ، وثبّت ﴿لَهُمْ﴾ عند الله ﴿بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ وحسنة مقبولة توجب الثّواب الجزيل ، والأجر العظيم.
ثمّ أكّد سبحانه وعده وقرّره بقوله : ﴿إِنَّ اللهَ﴾ بكرمه وفضله وعدله ﴿لا يُضِيعُ﴾ ولا يبطل ﴿أَجْرَ﴾ إحسان ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ وثواب أعمال الصّالحين ﴿وَلا يُنْفِقُونَ﴾ في سبيل الله وجهاد أعدائه ﴿نَفَقَةً﴾ سواء كانت ﴿صَغِيرَةً﴾ كنعل فرس ، بل تمرة ﴿وَلا كَبِيرَةً﴾ وكثيرة كألف دينار أو أزيد ﴿وَلا يَقْطَعُونَ﴾ ولا يتجاوزون في سيرهم ﴿وادِياً﴾ من الأودية ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ في دفتر أعمالهم ذلك الذي فعلوه من الإنفاق والسير ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ﴾ بذلك العمل جزاء ﴿أَحْسَنَ﴾ وأفضل من جزاء سائر ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الخيرات والعبادات ، أو أحسن من ذلك العمل الذي عمل ، ومن المال الذي بذل.
﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي
الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾
ثمّ أنّه روي عن ابن عبّاس رضى الله عنه أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كان إذا خرج إلى الغزو لم يتخلّف عنه إلّا منافق أو صاحب عذر ، فلمّا بالغ الله سبحانه في تعييب المنافقين في غزوة تبوك ، قال المؤمنون : والله ، لا نتخلّف عن شيء من الغزوات مع الرّسول صلىاللهعليهوآله ولا عن سريّة ، فلمّا قدم الرّسول المدينة وأرسل السّرايا إلى الكفّار ، نفر المسلمون جميعا إلى الغزو وتركوه وحده بالمدينة (٢) ، فنهى المسلمين عن أن ينفروا جميعا إلى الغزوات ويتركوا النبيّ صلىاللهعليهوآله في المدينة وحده ، بقوله : ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وما يسوغ لهم ﴿لِيَنْفِرُوا﴾ إلى الجهاد ﴿كَافَّةً﴾ وعامّة ، ويتركوا النبيّ صلىاللهعليهوآله وحده ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ﴾ وخرج إلى الجهاد ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ وجماعة كثيرة ﴿مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ وجماعة قليلة ، وأقامت البقيّة عند
__________________
(١) في النسخة : بذل.
(٢) تفسير الرازي ١٦ : ٢٢٥ ، مجمع البيان ٥ : ١٢٥.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
