ثمّ أنّه تعالى بعد قبول توبة المتخلّفين ، أمر المؤمنين بطاعة الرّسول وملازمته في الجهاد وغيره بقوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ﴾ في مخالفته ومخالفة رسوله ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وهم الرّسول صلىاللهعليهوآله ، ومن هو بمنزلته في العصمة عن الخطأ وبيان خلاف الواقع.
نقل كلام فخر الرازي في حجيّة الإجماع
قال الفخر الرّازي في تفسيره : إنّه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصّادقين ، ومتى وجب الكون مع الصّادقين فلا بدّ من وجود الصّادقين في كلّ وقت ، وذلك يمنع من إطباق الكلّ على الباطل ، ومتى امتنع إطباق الكلّ على الباطل ، وجب إذا أطبقوا على شيء أن يكونوا محقّين. فهذا يدلّ على أن إجماع الامّة حجّة (١) .
ثمّ اعترض على نفسه بأنّه لم لا يجوز أن يكون الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلوّ زمان التّكليف منه ؛ كما تقوله الشيعة (٢) . ثمّ ردّ ذلك الاعتراض بقوله : نحن نعترف بأنّه لا بدّ من معصوم في كلّ زمان ، إلّا أنّا نقول : ذلك المعصوم هو مجموع الامّة ، وأنتم تقولون : ذلك المعصوم هو واحد منهم. فنقول : هذا الثاني باطل ؛ لأنّه تعالى أوجب على كلّ أحد من المؤمنين أن يكون مع الصادقين ، وإنّما يمكنه ذلك لو كان عالما بأن ذلك الصادق من هو ، لا جاهلا بأنّه من هو ، فلو كان مأمورا بالكون معه كان ذلك تكليفا بما لا يطاق ، وأنّه لا يجوز ، لكنّا لا نعلم إنسانا معيّنا موصوفا بوصف العصمة والعلم ، [ والعلم ] بأنّا لا نعلم هذا الإنسان حاصل بالضّرورة. فثبت أنّ قوله : ﴿كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ليس أمرا بالكون مع شخص معيّن ، ولمّا بطل هذا ، بقي أنّ المراد منه الكون مع مجموع الامّة ، وذلك يدلّ على أن قول مجموع الامّة حقّ وصواب ، ولا معنى لقولنا « الإجماع حجّة » إلّا ذلك (٣) ، انتهى كلامه بطوله المملّ.
فى إبطال استدلال الفخر على حجيّة الإجماع
وفيه : أنّ لفظ ﴿الصَّادِقِينَ﴾ كالنصّ في أنّ المراد الأشخاص ، لا المجموع المركّب من الأشخاص ، مع كون كلّ واحد منهم كاذبا ، أو من يجوز عليه الكذب. وعدم علم هذا الشّخص المتعصّب بالشّخص الموصوف بالعصمة لا يكون قرينة على إرادة المجموع من الامّة ، مع قيام الأدلّة القطعيّة والرّوايات المتواترة على تعيينه باسمه ونسبه ، في كلّ زمان وعصر عند من برئ عن التعصّب واللّجاج ، وطابت طينته ، وطهر مولده ، مع أنّ الوجدان القطعي يشهد بعدم تمكّن أحد من المؤمنين حتّى المجتهدين المتبحّرين منهم ، من العلم باتّفاق مجموع الامّة ، بحيث لم يشذّ منهم واحد على أمر ، حتّى في الزّمان المتّصل بوفاة الرّسول صلىاللهعليهوآله الذي كان المسلمون بالنّسبة إلى الأعصار المتأخّرة في غاية القلّة ، ولو ادّعى أحد بالعلم بذلك حسّا ، نعلم
__________________
(١ و٢) تفسير الرازي ١٦ : ٢٢٠.
(٣) تفسير الرازي ١٦ : ٢٢١.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
