ثمّ ردّهم وهدّدهم بقوله : ﴿قُلْ﴾ يا محمّد لهم : ﴿نارُ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ من حرارة الشّمس والصّيف في الدّنيا ، وقد اخترتموها لأنفسكم بقعودكم عن الجهاد ، ومخالفتكم الرّسول صلىاللهعليهوآله ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ ويفهمون بقوّة العقل أنّ بعد هذه الدّار دار الجزاء ، وأنّ مشقّة حرّها راحة بالنّسبة إلى مشقّة حرارة النّار في الآخرة ، مع أنّ الاولى سريعة الزّوال ، والثانية باقية.
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾
ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر فرح المنافقين بالقعود ، وكان الضّحك من لوازم شدّة الفرح ، هدّدهم بغاية الحزن في الآخرة على معاصيهم وابتلائهم بالعذاب بقوله : ﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾ في الدّنيا ضحكا ﴿قَلِيلاً﴾ وإن كان ضحكهم مدّة عمرهم ، فإنّ مدّة عمر الدّنيا قليلة ، فكيف بمدّة عمرهم ؟ ﴿وَلْيَبْكُوا﴾ في الآخرة على أنفسهم بابتلائهم بالعذاب بكاء ﴿كَثِيراً﴾ حيث لا انقطاع له ﴿جَزاءً بِما كانُوا﴾ في الدّنيا ﴿يَكْسِبُونَ﴾ لأنفسهم من المعاصي والذّنوب.
روي أنّ أهل النّفاق يبكون في النّار عمر الدّنيا لا يرقأ لهم دمع ، ولا يكتحلون بنوم (١) .
وفي رواية : أنّه يرسل الله البكاء على أهل النّار فيبكون حتّى تنقطع الدّموع ، ثمّ يبكون الدم حتّى ترى وجوههم كهيئة الاخدود (٢) .
وقيل : إنّ القلّة كناية عن العدم ، والكثرة كناية عن الدّوام ، وعليه يجوز أن يكون وقتهما في الدّنيا ، ويجوز أن يكون في الآخرة (٣) .
وعن النبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه قال : لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا (٤) .
وروي أنّه خرج ذات يوم ، فإذا قوم يتحدّثون ويضحكون ، فوقف وسلّم عليهم ، فقال : أكثروا ذكر هادم اللّذّات ، قيل : وما هادم اللّذّات ؟ قال : الموت (٥) .
﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ
أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ
الْخالِفِينَ (٨٣)﴾
ثمّ أنه تعالى بعد توضيح غاية خبث المنافقين وكفرهم وتعييبهم النبيّ صلىاللهعليهوآله والمؤمنين وتوهينهم
__________________
(١ و٢) . تفسير روح البيان ٣ : ٤٧٦.
(٣) تفسير روح البيان ٣ : ٤٧٦.
(٤ و٥) . تفسير روح البيان ٣ : ٤٧٦.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
