بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أمّا تعذّبهم بالمال فبسبب كثره التّعب في جمعها وحفظها ، والخوف من تلفها ، والحزن على ذهابها ؛ وبالأولاد فبسبب الابتلاء بنفقتهم ، وأمراضهم ، وسوء أخلاقهم ، والحزن على فراقهم وموتهم ﴿وَ﴾ لأن ﴿تَزْهَقَ﴾ وتخرج ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ وأرواحهم من أبدانهم ﴿وَهُمْ كافِرُونَ﴾ لكون اشتغالهم بهما سببا لغفلتهم عن التفكّر في آيات التّوحيد والمعاد.
روى بعض العامّة : أنّه سأل معاوية امرأة كانت تعرف عليّا صلىاللهعليهوآله ، فقال لها : كيف رأيت عليّا ؟ قالت : كان رجل لم يبطره الملك ، ولم تعجبه النّعمة (١) .
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ
مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٦) و (٥٧)﴾
ثمّ بيّن الله سبحانه شدّة نفاق المنافقين ، وإظهارهم الموافقة للمؤمنين الخلّص (٢) بقوله : ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ نفاقا وكذبا لكم ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ وفي زمرتكم ، وإيمانهم كإيمانكم ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾ ومن جملتكم لكفرهم وخبث ذاتهم ﴿وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ويخافون منكم ، ولذا يظهرون الإسلام تقيّة ، ويؤكّدون دعوتهم بالأيمان الفاجرة الكافرة.
ثمّ بيّن الله غاية خوفهم من المسلمين بقوله : ﴿لَوْ﴾ كانوا ﴿يَجِدُونَ﴾ لأنفسهم ﴿مَلْجَأً﴾ وحصنا حصينا يلجأون إليه ، ويتحصّنون به من بأسكم ﴿أَوْ﴾ يجدون ﴿مَغاراتٍ﴾ وكهوفا في الجبال يختفون فيها ، ويستترون منكم ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ ونقبا في الأرض يدخلون فيه ، أو قوما يدخلون فيهم وهم يحفظونهم ، أو لا يعرفون من بينهم.
وعن الباقر عليهالسلام : « أسرابا في الأرض » (٣) ، وعن القمّي : موضعا يلجأون إليه (٤) .
﴿لَوَلَّوْا﴾ وفرّوا ﴿إِلَيْهِ﴾ منكم فرقا وخوفا ﴿وَهُمْ﴾ في فرارهم ﴿يَجْمَحُونَ﴾ ويسرعون إسراعا لا يردّهم شيء ، وإنّما لم يفرّوا منكم ، وبقوا فيكم يعاشرونكم ، لأنّهم لا يجدون المفرّ ، ولذا اضطرّوا إلى النّفاق ، ويحلفون كذبا أنّهم لمنكم ليؤمّنوا أنفسهم من الأسر ، وأموالهم من النّهب ، ولو يجدون لأنفسهم حيلة غير النّفاق لم ينافقوا ، بل أظهروا كفرهم وشقاقهم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا
هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾
__________________
(١) تفسير روح البيان ٣ : ٤٥٠.
(٢) في النسخة : الخلّصين.
(٣) مجمع البيان ٥ : ٦٢ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٥٠.
(٤) تفسير القمي ١ : ٢٩٨ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٥٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٣ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4404_nafahat-alrahman03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
