أقول : يمكن الجمع بين الرّوايتين بأنّ الاستدلال بالافول وقع منه عليهالسلام مرّتين ؛ المرّة الاولى طلبا لمعرفة نفسه ، والثّانية احتجاجا على قومه ، مع أنّ الرّواية الأخيرة متضمّنة لما لا يقول به الشّيعة من كون أبي إبراهيم آزر ، مضافا إلى بعد أنّه من كان يرتضع من إصبعه أو من إصبع جبرئيل ، أن يحتمل كون الكوكب المحدود المتحرّك ربّا له.
﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ
أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾
ثمّ حكى سبحانه محاجّة قوم إبراهيم معه بقوله : ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ وأقاموا له براهين واهية على صحّة ما زعموه من ربوبيّة الكوكب وعبادة الأصنام كوجوب تقليد الآباء وغيره بعد احتجاج إبراهيم عليهالسلام على فساده بامتناع كون الحادث المتغيّر خالقا وربّا ، إذن ﴿قالَ﴾ لهم إبراهيم إنكارا عليهم واستعجابا منهم : يا قوم ﴿أَ تُحاجُّونِّي﴾ وتجادلونني ﴿فِي﴾ شأن ﴿اللهِ﴾ وتوحيده ﴿وَ﴾ الحال أنّه تعالى ﴿قَدْ هَدانِ﴾ وأرشدني إلى الحقّ بتقوية عقلي ، وإنارة قلبي ، ونصب الآيات عليه.
ثمّ قيل : إنّ القوم خوّفوه من ضرر آلهتهم حين طعن فيهم ، وقالوا : أما تخاف أن يخبّلك آلهتنا لأجل أنّك تشتمهم ؟ فأجابهم بقوله : ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾(١) في الرّبوبيّة والعبادة كوكبا كان أو صنما من أن يضرّني بسبب طعني فيه ، لوضوح كون جميع الأجرام الفلكيّة ، والأجسام العنصريّة مقهورة بقدرة الله وإرادته ، لا يقدر شيء منها على نفع أو ضرر ﴿إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ من الضّرر عليّ ، فعند ذلك يضرّني هو بتوسّط شيء من مخلوقاته ولو كان جمادا ، فهو تعالى حقيق بأن يخاف منه لقدرته على كلّ شيء ، ولكن لا يشاء ضررا على عبده إلّا إذا علم صلاحه فيه ، أو استحقاقه له ، فإنّه ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ وأحاط بجميع خلقه خبرا ، ومن المعلوم أنّه لا يستحقّ ضرره وعذابه من يوحّده وينزّهه عن المثل والشّريك ، بل يستحقّ حفظه وثوابه وإكرامه ﴿أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ذلك ، ولا تتنبّهون أنّ الله هو الضارّ النّافع دون آلهتكم ، وأنّ المستحقّ للضرر والعذاب هو المشرك دون الموحّد.
قيل : إنّ التّقدير : أتعرضون عن التّأمّل في ما أقول ، فلا تتذكّرون أنّ آلهتكم عجزة ؟ (٢)
﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ
__________________
(١) تفسير الرازي ١٣ : ٦١.
(٢) تفسير أبي السعود ٣ : ١٥٥ ، تفسير روح البيان ٣ : ٥٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
