يسمعون أكاذيب الأغنياء ، ويأكلون السّحت الذي يأخذونه منهم (١) .
وقيل : كانوا سمّاعون للكذب الذي ينسبونه إلى التوراة ، أكّالون للرّبا (٢) .
عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، في قوله تعالى : ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قال : « هو الرّجل يقضي لأخيه الحاجة [ ثمّ ] يقبل هديّته » (٣) .
وفي رواية عن الباقر عليهالسلام : « السّحت أنواع كثيرة ؛ منها : اجور الفواجر (٤) ، وثمن الخمر والنّبيذ المسكر ، والرّبا بعد البيّنة ، وأمّا الرّشا في الحكم فإنّه كفر بالله العظيم وبرسوله » (٥) .
وعن الصادق عليهالسلام : « السّحت ثمن الميتة ، وثمن الكلب ، وثمن الخمر ، ومهر البغيّ ، وأجر الكاهن ، والرّشوة » (٦) .
ثمّ لمّا كان سبب نزول الآية السّابقة محاكمة اليهود عند الرّسول صلىاللهعليهوآله في أمر القتل ، أو حدّ زنا المحصن ، خيّره الله تعالى في الحكم بينهم ، بقوله : ﴿فَإِنْ جاؤُكَ﴾ متحاكمين إليك في ما شجر بينهم من الخصومات ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ بما هو الحقّ عند الله ﴿أَوْ أَعْرِضْ﴾ وتولّ ﴿عَنْهُمْ﴾ ولا تلتفت إليهم.
ثمّ أمّنه الله سبحانه - إثر التّخيير - من الضّرر على الحالين بقوله : ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تقبل الحكومة بينهم ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً﴾ يسيرا من الضّرر بسبب إعراضك عنهم وعدم اعتنائك بهم ، وإن زادت معاداتهم فالله عاصمك ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ﴾ وقبلت الفصل بينهم ﴿فَاحْكُمْ﴾ واقض ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بحكم وقضاء ملابس ﴿بِالْقِسْطِ﴾ والعدل الذي امرت به ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ في الحكم ، العادلين في القضاء ؛ فيحفظهم من كلّ سوء ومكروه ، ويكرمهم بالقرب إليه.
في الحديث : « المقسطون عند الله على منابر من نور » (٧) .
عن الباقر عليهالسلام : « إنّ الحاكم إذا أتاه أهل التّوراة و[ أهل ] الإنجيل يتحاكمون إليه ، كان ذلك إليه إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء تركهم » (٨) .
في أن الحاكم مخيّر في الحكم بين أهل الكتاب إذا كان المخاصمان أهل ملّة واحدة
أقول : حكي اتّفاق أصحابنا على تخيير الحاكم في الصّورة إذا كان الخصمان أهل ملّة واحدة ، وأمّا إذا كان أحدهما مسلما ؛ فلا يجوز ردّ الحكم فيه إلى أهل الذّمّة. وإنّما الخلاف فيما إذا كانا ذمّيّين من أهل ملّتين كاليهودي والنّصراني. والأقوى تحتّم
__________________
(١ و٢) . تفسير الرازي ١١ : ٢٣٥.
(٣) عيون أخبار الرضا عليهالسلام ٢ : ٢٨ / ١٦ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٨.
(٤) في النسخة : الفواحش.
(٥) الكافي ٥ : ١٢٦ / ١ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٧.
(٦) الكافي ٥ : ١٢٦ / ٢ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٧.
(٧) تفسير روح البيان ٢ : ٣٩٥.
(٨) التهذيب ٦ : ٣٠٠ / ٨٣٩ ، تفسير الصافي ٢ : ٣٨.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
