﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا أمرهم الرسول بأمر ﴿سَمِعْنا﴾ أمره ﴿وَعَصَيْنا﴾ ه استحقارا به ، وإظهارا لمخالفتاه ، ﴿وَ﴾ يقولون : ﴿اسْمَعْ﴾ كلامنا يا محمد ، حال كونك ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ كلاما ترضاه.
وقيل : إن معناه : غير مجاب إلى ما تدعو إليه (١) .
وقيل : إنه دعاء عليه بالصمم ، أو الموت (٢) .
ويقولون : ﴿راعِنا﴾ حين مخاطبتهم النبي صلىاللهعليهوآله ﴿لَيًّا﴾ وفتلا ﴿بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ قيل : إنهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام استهزاء وسخرية (٣)﴿وَطَعْناً﴾ منهم ﴿فِي الدِّينِ﴾ وقدحا منهم في الرسول.
قيل : كانوا يلوون ألسنتهم حتى يصير قولهم ( راعنا ) ( راعينا ) وكانوا يريدون : إنك ترعى أغنامنا (٤) .
كانوا يقولون لأصحابهم : إنا نشتمه ولا يعرف ، ولو كان نبيا لعرف ذلك ، فأظهره الله تعالى لنبيه وعرفه ، فصار ما فعلوه طعنا في نبوته دليلا قاطعا عليها ؛ لأن الإخبار بالغيب معجزة عظيمة.
ثم وبخهم الله على ما قالوا بقوله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا﴾ عند استماع أوامر الله ورسوله ، بدل قولهم: سمعنا وعصينا : ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ أمر الرسول تعظيما له وإظهارا لطاعته ، ﴿وَ﴾ يقولون : ﴿اسْمَعْ﴾ ولا يلحقون به كلمة ( غير مسمع ) ، ﴿وَ﴾ يقولون : ﴿انْظُرْنا﴾ حتى نفهم كلامك ، بدل قولهم ( راعنا ) ، ولم يدسوا تحت كلامهم شرا وسوءا ، والله ﴿لَكانَ﴾ ذلك ﴿خَيْراً لَهُمْ﴾ وأنفع في الدنيا والآخرة مما قالوا ، ﴿وَ﴾ كان ﴿أَقْوَمَ﴾ وأعدل عند العقل ﴿وَلكِنْ﴾ لأجل أنه ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ وخذلهم ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ عمت قلوبهم ، وبعدوا عن الهدى ، وتمرنوا في الضلال وجحود الحق ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ﴾ بالله وآياته ورسوله ﴿إِلَّا﴾ إيمانا ﴿قَلِيلاً﴾ لا يعبأ به ، وهو إيمانهم ببعض الآيات والرسل ، أو إيمانهم باللسان دون القلب ، أو إلا فريقا قليلا ، كعبد الله بن سلام وأضرابه.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ
نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ
أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٤٧)﴾
ثم لما ذكر سبحانه شدة عناد اليهود وسوء فعالهم وأقوالهم ، باشر بذاته المقدسة دعوتهم إلى الإيمان بمحمد وبكتابه ، وخاطبهم بما فيه استمالة قلوبهم بقوله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا﴾ من قبل الله
__________________
(١) تفسير الرازي ١٠ : ١١٨.
(٢) تفسير أبي السعود ٢ : ١٨٣.
(٣ و٤) . تفسير الرازي ١٠ : ١١٩.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
