مضيّعا ، ولا شارب خمر ، ولا زانيا » .
إلى أن قال : « وإن كانوا لا يعلمون أنّه قد بلغ فإنّه يمتحن بريح إبطه ، أو نبت عانته ، فإذا كان ذلك فقد بلغ ، فيدفع إليه ماله إذا كان رشيدا ، ولا يجوز له أن يحبس عنه ماله ، ويعتلّ عليه أنّه لم يكبر بعد » (١) .
ثمّ أكّد سبحانه النّهي عن أكل أموالهم بقوله : ﴿وَلا تَأْكُلُوها﴾ حال كون أكلكم منها ﴿إِسْرافاً﴾ وزيادة على استحقاقكم منها ﴿وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ واستباقا بلوغهم.
أو المراد : لا تأكلوها لإسراف ومبادرة كبرهم بأن تفرطوا في أموالهم وتقولوا : ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى وينتزعوها من أيدينا ، كذا قيل (٢) .
في بيان جواز أكل الولي من مال اليتيم
وفيه إشعار بجواز الأكل - إذا لم يكن إسرافا وبدارا ، بل كان بمقدار الحاجة ، مع رعاية الغبطة - وإجمال لما فصّله بعد ، بقوله : ﴿وَمَنْ كانَ﴾ من الأولياء والأوصياء ﴿غَنِيًّا﴾ ذا ثروة كافية لمعاشه ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وليتنزه عن الأكل من مال اليتيم ، وليقنع بما آتاه الله إشفاقا عليه ، وإبقاء لما له ﴿وَمَنْ كانَ﴾ منهم ﴿فَقِيراً﴾ ومحتاجا في معاشه إلى الأكل من مال اليتيم ، لاشتغاله بإصلاح ماله ، وعدم فراغه له لكسب معيشة نفسه وعياله وتحصيل مؤنتهم ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ ذلك الفقير من مال اليتيم ، وليصرف منه في حوائجه ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ وبقدر حاجته وكفايته من غير إسراف ، أو بمقدار اجرة عمله وسعيه.
عن ( الكافي والعيّاشي ) : عن الصادق عليهالسلام في هذه الآية : « من كان يلي شيئا لليتامى ، وهو محتاج ليس له ما يقيمه ، وهو يتقاضى أموالهم ويقوم في ضيعتهم ، فليأكل بقدر ولا يسرف ، فإن كانت ضيعتهم لا تشغله عمّا يعالج لنفسه فلا يرزأنّ من أموالهم شيئا » (٣) .
أقول : الظّاهر أنّ المراد من ( قدر ) : قدر الحاجة والضّرورة العرفية ، ومن قوله ( لا يرزأنّ ) لا ينقصنّ.
وعنه عليهالسلام ، في هذه الآية : « هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية ، ويشغل فيها نفسه ، فليأكل بالمعروف ، وليس له ذلك في الدّنانير والدّراهم التي عنده موضوعة » (٤) .
وعنه عليهالسلام : « ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة ، فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم أموالهم ، فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا » (٥) .
__________________
(١) تفسير القمي ١ : ١٣١ ، تفسير الصافي ١ : ٣٩١.
(٢) تفسير أبي السعود ٢ : ١٤٦.
(٣) تفسير العياشي ١ : ٣٧٠ / ٨٧٢ ، الكافي ٥ : ١٢٩ / ١ ، تفسير الصافي ١ : ٣٩١.
(٤) تفسير العياشي ١ : ٣٧٠ / ٨٧٣ ، تفسير الصافي ١ : ٣٩١.
(٥) تفسير العياشي ١ : ٣٦٩ / ٨٧١ ، الكافي ٥ : ١٣٠ / ٥ ، تفسير الصافي ١ : ٣٩٢.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
