التي يجب أن تعدّوها ﴿أَمْوالَكُمُ﴾ في كمال الرّعاية ، وشدّة العناية والاهتمام بالحفظ ؛ لأنّها ﴿الَّتِي جَعَلَ اللهُ﴾ إيّاها ﴿لَكُمْ﴾ بحكمته ﴿قِياماً﴾ تقومون بها ، وقواما تتقوّمون بمنافعها ، ومعاشا تتعيّشون بالارتزاق منها ، فلا تفسدوها بتسليطهم عليها ، بل اقطعوا أيديهم عنها ، واتّجروا بها واستربحوا منها ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾ من الرّبح الذي يكون ﴿فِيها﴾ بالاتّجار ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾ به.
والحاصل أنّ على الأولياء أن يجعلوا أموال السّفهاء محلّ ارتزاقهم ، وأرباحها مدار نفقاتهم ؛ حتّى يعيشوا في ظلّ ولايتهم ورأفتهم برحب وسعة ، مع بقاء أصل مالهم مدى أعمارهم.
وقيل في وجه النّظم : إنّه لمّا أمر الله سبحانه بردّ أموال اليتامى ومهور الزّوجات ، ذكر في الآية أنّ وجوب الرّدّ والإيتاء يكون حال كونهم رشيدين ، وأمّا إذا كانوا سفهاء فلا تؤتوهم.
عن العيّاشي : عن الصادق عليهالسلام : « هم اليتامى ، لا تعطوهم حتّى تعرفوا منهم الرّشد » ، قيل : فكيف تكون أموالهم أموالنا ؟ فقال : « إذا كنت أنت الوارث لهم » (١) .
وعن ( الفقيه ) : عن الباقر عليهالسلام ، أنّه سئل عن هذه الآية فقال : « لا تؤتوها شراب الخمر ، ولا النّساء » ثمّ قال : « وأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر » (٢) .
وفي رواية : « كلّ من يشرب الخمر فهو سفيه » (٣) .
وعن الباقر عليهالسلام ، في هذه الآية ، قال : « السّفهاء : النّساء والولد ، إذا علم الرّجل أنّ امرأته سفيهة مفسدة ، وولده سفيه مفسد ، لا ينبغي له أن يسلّط أحدا منهما على ماله الذي جعل الله [ له ] قياما ، يقول : معاشا » (٤) .
وقيل : إنّ في الآية نهيا لكلّ أحد أن يعمد إلى ما خوّله الله من المال فيعطي امرأته وأولاده ، ثمّ ينظر إلى أيديهم ، وإنّما سمّاهم الله سفهاء استخفافا بعقلهم ، واستهجانا لجعلهم قوّاما على أنفسهم.
أقول : لا يبعد حمل الآية على النّهي من تسليط السّفهاء على الأموال مطلقا ، سواء كانت لهم أو لغيرهم من الأولياء ، وبه يجمع بين الرّوايات ، والله العالم.
ثمّ أمر سبحانه بالتّلطّف بهم وترضيتهم وتطييب قلوبهم بقوله : ﴿وَقُولُوا لَهُمْ﴾ إذا اقترحوا عليكم أمرا ، وسألوا منكم ما لا يجوز أو لا يمكن إجابتهم فيه ﴿قَوْلاً﴾ وجوابا ﴿مَعْرُوفاً﴾ ومستحسنا عند الشّرع والعقل من عدة جميلة ، وكلام ليّن طيّب لا يكون فيه كذب ولا إيذاء ، بل تطيب به نفوسهم.
__________________
(١) تفسير العياشي ١ : ٣٦٨ / ٨٦٥ ، تفسير الصافي ١ : ٣٩٠.
(٢) من لا يحضره الفقيه ٤ : ١٦٨ / ٥٨٦ ، تفسير الصافي ١ : ٣٩٠.
(٣) تفسير العياشي ١ : ٣٦٨ / ٨٦٤ ، تفسير الصافي ١ : ٣٩٠.
(٤) تفسير القمي ١ : ١٣١ ، تفسير الصافي ١ : ٣٩٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
