كلّ مصيبة بعدك هدر (١) .
في قضية بدر الصغرى
ثمّ أنّه تعالى بعد الثّناء عليهم وعدهم بقوله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ بطاعة أوامر الله ﴿وَاتَّقَوْا﴾ الله في مخالفة نواهية ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لا يسع البيان وصفه.
ثمّ أنّه روي عن الباقر عليهالسلام : « أنّ أبا سفيان قال يوم احد ، حين أراد أن ينصرف : يا محمّد ، الموعد بيننا وبينك موسم بدر الصّغرى ، القابل (٢) إنّ شئت ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : « ذلك بيننا وبينك » ، فلمّا كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكّة حتّى نزل مجنّة من ناحية مرّ الظّهران (٣) ، ثمّ ألقى الله عليه الرّعب ، فبدا له في الرّجوع ، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي (٤) - وفي رواية اخرى : فمرّ به ركب من بني عبد قيس يريدون المدينة للميرة - فقال له أبو سفيان : إنّي واعدت محمّدا وأصحابه أن نلتقي موسم بدر الصّغرى ، وإنّ هذا عام جدب ، ولا يصلحنا إلّا عام نرعى فيه الشجر ، ونشرب فيه اللّبن ، وقد بدا لي أن لا نخرج إليها ، وأكره أن يخرج محمّد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأة ، فالحق بالمدينة وثبّطهم ، ولك عشرة من الإبل أضعها على يد سهيل بن عمرو.
فأتى نعيم بن مسعود المدينة فوجد النّاس يتجهّزون لميعاد أبي سفيان ، فقال لهم : بئس الرّأي رأيكم ، أتوكم في قراركم فلم يفلت منكم إلّا شريد ، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم ، فو الله لا يفلت منكم أحد ، فكره أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآله الخروج ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : « والذي نفسي بيده ، لأخرجنّ ولو وحدي ، وأمّا الجبان فإنّه رجع. وأمّا الشّجاع فإنّه تأهّب للقتال.
وقال : حسبنا الله ونعم الوكيل » (٥) .
فمدحهم الله تعالى بقوله : ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الّذين استقبلوا من بني عبد قيس ، أو المراد نعيم بن مسعود ، وإطلاق ( النّاس ) عليه لكونه من جنسهم وكلامه كلامهم ، أو لأنّه انضمّ إليه ناس من منافقي المدينة وأذاعوا كلامه : ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ وهم أبو سفيان وأصحابه ﴿قَدْ جَمَعُوا﴾ حلفاءهم ومواليهم ﴿لَكُمْ﴾ وتظاهروا إلى حربكم ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ أيّها المسلمون ، ولا تخرجوا إليهم فتهلكوا ، فلم يلتفت المؤمنون المخلصون إلى قولهم ﴿فَزادَهُمْ﴾ التّرهيب ﴿إِيماناً﴾ ويقينا وثباتا على نصرة الإسلام ، وخلوصا في النّيّة ، وتأهّبوا للقتال ﴿وَقالُوا﴾ عند التّخويف ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ وكفانا مؤنة الأعداء ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ربّنا.
__________________
(١) تفسير الرازي ٩ : ٩٨.
(٢) في النسخة : نقاتل.
(٣) مجنّة : اسم سوق للعرب في الجاهلية ، قرب جبل يقال له : الأصغر بأسفل مكّة ، ومرّ الظّهران : موضع على مرحلة من مكّة.
(٤) مجمع البيان ٢ : ٨٨٨ ، تفسير الصافي ١ : ٣٧٠.
(٥) مجمع البيان ٢ : ٨٨٨ ، تفسير الصافي ١ : ٣٧١ ، وصدر الرواية في تفسير روح البيان ٢ : ١٢٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
