ثمّ أخبر سبحانه بأنّ استبشارهم بحسن حال إخوانهم ليس بصرف فراغ قلوبهم من الخوف والحزن ، بل ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ مع ذلك في حقّ إخوانهم ﴿بِنِعْمَةٍ﴾ عظيمة كائنة ﴿مِنَ اللهِ﴾ لا يقادر قدرها ﴿وَفَضْلٍ﴾ عظيم أو زيادة كثيرة على ما يتوقّع لهم من ثواب الأعمال ، لا يعلمها إلّا الله.
وقيل : إنّ البشارة الأولى فقط متعلّقة بإخوانهم ، وأمّا الثانية فإنّها متعلّقة بأنفسهم ، وبيان ما أجمل في قوله : ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ﴾ .
ثمّ أكّد تلك البشارة بقوله : ﴿وَأَنَّ اللهَ﴾ تعالى بكرمه ، ولتعالي ذاته عن ارتكاب القبيح ﴿لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا يبطل ثواب من تنوّر قلبه بنور اليقين ، [ سواء ] قتل في سبيل الله أو بقي حيّا في طاعة الله.
﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُم
وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ
لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾
ثمّ أنّه روي أنّ أبا سفيان وأصحابه لمّا انصرفوا من احد وبلغوا الرّوحاء (١) ندموا ، وقالوا : إنّا قتلنا أكثرهم ولم يبق منهم إلا قليل فلم تركناهم ؟ بل الواجب أن نرجع ونستأصلهم ، فهمّوا بالرّجوع ، فبلغ ذلك رسول الله صلىاللهعليهوآله فأراد أن يرهب الكفّار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّة ، فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان ، وقال : « لا اريد أن يخرج الآن معي إلّا من كان معي في القتال ، فخرج الرّسول صلىاللهعليهوآله مع قوم من أصحابه - قيل : كانوا سبعين رجلا - حتّى بلغوا حمراء الأسد ، وهو [ موضع ] من المدينة على ثلاثة أميال ، فألقى [ الله ] الرّعب في قلوب المشركين فانهزموا (٢) .
فمدح الله المؤمنين الّذين خرجوا مع رسول الله صلىاللهعليهوآله بقوله : ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وأطاعوا أمرهما بالخروج في طلب قريش ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ وأثخنتهم الجراح في وقعة احد.
عن القمّي رحمهالله : أن النبيّ صلىاللهعليهوآله لمّا دخل المدينة ، من وقعة احد ، نزل عليه جبرئيل عليهالسلام فقال : يا محمّد ، إنّ الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم ، ولا يخرج معك إلّا من به جراحة ، فأمر رسول الله صلىاللهعليهوآله مناديا ينادي : يا معشر المهاجرين والأنصار ، من كان به جراحة فليخرج ، ومن لم يكن به جراحة
__________________
(١) الرّوحاء : موضع على ستة وثلاثين ميلا من المدينة.
(٢) تفسير الرازي ٩ : ٩٧.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
