الله صلىاللهعليهوآله مع أهل مكّة بعد الفتح ، مع أنّهم حاربوه وضربوا وجهه ووجه أولاده بالسّيف ، وواجهوه بالشّتم واللّعن (١) .
وقال أيضا في مقدّمة شرحه : إنّه عليهالسلام كان أحلم النّاس. ثمّ استشهد بحلمه عن هؤلاء وغيرهم من أعدائه ، مع قدرته على الانتقام. إلى أن قال : وأمّا سجاحة الأخلاق (٢) ، وبشر الوجه ، فإنّه عليهالسلام المضروب به المثل ، حتّى عابه بذلك أعداؤه ... (٣) إلى آخره.
وإنّما بسطنا الكلام وخرجنا عمّا هو المقصود من وضع الكتاب في المقام ؛ لأن يشهد الورق عند الله على ولايتي لأوليائه ، وبراءتي من أعدائه يوم القيامة.
ثمّ أنّه تعالى بعد مدح نبيّه باللّين والرّفق ، رتّب عليه الأمر بلوازمه اهتماما به ، بقوله : ﴿فَاعْفُ﴾ وتجاوز ﴿عَنْهُمْ﴾ في ما يتعلّق بحقوقك ، كما عفا الله عنهم في ما تعلّق بحقوقه من الذّنب ﴿وَاسْتَغْفِرْ﴾ الله ﴿لَهُمْ﴾ في جميع معاصيهم ، إتماما للشّفقة عليهم ، وإكمالا للبرّ بهم ﴿وَشاوِرْهُمْ﴾ واستطلع آراءهم ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ المهمّ عندك ، حربا كان أو غيره ، لتطييب قلوبهم ، والإحاطة بمراتب عقولهم وخلوصهم وحبّهم ، وتعليمهم المشورة في الأمور ، وإجراء تلك السّنّة في الامّة.
روى الفخر الرازي : عن الواحدي ، عن ابن عبّاس رضى الله عنه أنّه قال : الذي أمر النبيّ صلىاللهعليهوآله بمشاورته في هذه الآية أبو بكر وعمر (٤) .
ثمّ قال : وعندي فيه إشكال ؛ لأنّ الّذين أمر الله نبيّه بمشاورتهم في هذه الآية هم الّذين أمره بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم ، وهم المنهزمون. فهب أنّ عمر كان منهم فدخل تحت الآية ، إلّا أنّ أبا بكر ما كان منهم ، فكيف يدخل تحت هذه الآية ؟ (٥) .
في استفادة قدح الشيخين من رواية ابن عبّاس
أقول : وبعد أنّه نفسه روى أنّ عمر كان من المنهزمين (٦) ، واتّفاق أكثر أصحابه عليه ، لم يكن مجال لقوله : ( هب أنّه كان منهم ) لدلالة هذا الكلام على عدم التّسليم. ثمّ بعد تسليمه دلالة رواية ابن عبّاس بالالتزام على أن أبا بكر كان من المنهزمين ، لا وجه لإنكاره ، وجعله وجها للأشكال في الرّواية ، مع أنّ ابن عبّاس كان أتقن من غيره ، وتأيّدها بالاعتبار ، لوضوح عدم كون أبي بكر أقوى إيمانا وأربط جأشا من عمر ، ولدلالة الإخاء الذي جعله الرّسول صلىاللهعليهوآله بينهما على أنّهما فرسا رهان.
__________________
(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ : ٢٢ - ٢٣.
(٢) سجاحة الأخلاق : ليونتها وسهولتها.
(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ : ٢٥.
(٤ و٥) . تفسير الرازي ٩ : ٦٧.
(٦) تفسير الرازي ٩ : ٥٠.
![نفحات الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٢ ] نفحات الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4401_nafahat-alrahman02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
