إشكال آخر ، وهو أن العمل بالظن أكثر خطأ من العمل بالعلم ، وأكثر حرمانا من مصلحة الواقع ، وبديهي ان الضرورة تقدر بقدرها ، وعليه يجب العمل بالعلم وحده دون الظن حتى ولو نشأ من خبر الثقة ، وأجابوا عن هذا الاشكال بأن في الامارة أو في السلوك بموجبها مصلحة تعوّض وتجبر مصلحة الواقع الفائتة!. ولا أدري على أي شيء استند القائل بهذه المصلحة الجابرة ولا دليل عليها من آية أو رواية؟.
وهناك اشكالات وشبهات تقذف هي وأجوبتها بالطالب في متاه بني اسرائيل.
التصويب :
معنى التصويب ـ على وجه العموم ـ انه لا حكم لله اطلاقا في أية حادثة من الحوادث قبل اجتهاد المجتهدين ، وإنما ينتظر ، جلّت حكمته ، حتى يحكم المجتهد بما أدى اليه نظره ، وعندئذ ينشئ تعالى علوا كبيرا حكما موافقا لحكم المجتهد بحيث يكون حكم الجلالة تابعا لحكم من ليس له من الأمر شيء.
وهناك معنى آخر للتصويب ، وهو ان لله حكما في كل حادثة ، ولكن هذا الحكم يصاب بالنص الشرعي وبغيره ايضا ، كالاستحسان والقياس وما إلى ذلك مما لا دليل عليه من شرع ولا عقل.
ومعنى التخطئة ان لله في كل واقعة حكما واحدا معينا في أصل الشريعة ، وقبل الاجتهاد وبعده وإلى يوم يبعثون ، وان المجتهد يخطئ ويصيب ، وأجمع مثال وأوضحه هذه الكلمة العاقلة العالمة : «أقول في المسألة برأيي ، فإن كان صوابا فمن الله ورسوله ، وان كان خطأ فمني ومن الشيطان».
وذهب الامامية وأكثر الشافعية إلى نفي التصويب وبطلانه ، وفي كتاب اللمع لأبي إسحاق ص ٧١ طبعة ١٩٣٩ «الظاهر من مذهب مالك وأبي حنيفة القول بأن كل مجتهد مصيب ، وهو مذهب المعتزلة وأبي الحسن الأشعري». وهذا القول يحمل معه الأدلة القاطعة على فساده وضلاله ، ومع هذا نشير فيما يلي إلى بعض ما يستلزمه القول بالتصويب من المفاسد والمخاطر.
اللازم الأول أن يكون ظن المجتهد تماما كالوحي من الله ينزل على أنبيائه ورسله ، لأن المفروض عدم الخطأ في الحكم.
