سبب الاشتباه الأمور الخارجية التي نرجع في معرفتها وتمييزها الى الحس وذوي الاختصاص ـ فلا يسوغ الاعتماد على ظاهر العام إذ لا شأن له في تحديد الموضوعات وبيان مفاهيمها وأفرادها ، وأي عاقل يتصور أن قول الشارع : (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) هو بيان لماهية الأجناس التي يقع عليها البيع ، وما تناكر منها اختلف!.
وتسأل : ان محل الكلام هنا هو العام المخصوص بمفصول. وسبق منك القول : «ان العام في هذه الحال لا يؤثر فيه التخصيص ، بل يبقى على ظهوره في جميع أفراده بما فيها الفرد المشتبه». وليس من شك أن عنوان العام يصدق على هذا الفرد من غير تفاوت بينه وبين سائر الأفراد ، ومعنى هذا أن الفرد المشتبه لا بد أن يكون مشمولا بحكم العام ، مثله في ذلك مثل الأفراد التي لم تخرج بالتخصيص ، ولا يمكن أن يكون الفرد المشتبه مشمولا بحكم الخاص ، لمكان الشك في أنه من أفراده .. وبكلمة نحن نعلم يقينا أن الفرد المشتبه يصدق عليه عنوان العام فنعطيه حكمه ونثبته له ، ولا نعلم بأن عنوان الخاص يصدق عليه فننفي حكمه عنه.
الجواب :
أجل ، نحن نسلم بأن حكم الخاص لا يثبت للفرد المشتبه للشك والجهل بصدق عنوانه عليه. وأيضا نسلم بأن العام ظاهر في هذا الفرد وعنوانه ينطبق عليه ، وعلى الرغم من ذلك نسقط هذا الظهور عن الحجة والاعتبار ، ولا نسلّم بجواز الأخذ به والاعتماد عليه ، لأن مورد الأخذ بظاهر الكلام هو الجهل والشك في مراد المتكلم حيث يعكس هذا الظاهر المراد المشكوك لدينا ويكشف عنه. أما إذا علمنا بالمراد فنأخذ بعلمنا لا بالظاهر ، بل نضرب به عرض الحائط إذا كان مخالفا لما نعلم. واختصارا ان الظاهر لا يوجب العلم ، وإنما يوجب العمل مع عدم وجود العلم ، ومتى وجد العلم يبطل الظاهر تماما كما يبطل التيمم عند وجود الماء.
ونحن نعلم بمراد المتكلم من الدليل الخاص فنعمل بما علمنا وان خالفه ألف ظاهر وظاهر إذ لا قيمة له في مقابلة العلم ، وسبقت الاشارة إلى ذلك في الفصل الأول من العام والخاص فقرة «الموصول والمفصول».
وخلاصة الكلام في الشبهة المصداقية والمفهومية ـ أن العام المخصوص بموصول لا يجوز التمسك به ، لا في المفهومية ولا المصداقية على الإطلاق وبلا استثناء.
