فالعام في الجملة الأولى ظاهر في ان المطلقة قبل الدخول لها نصف المهر حتى ولو عفا الذي بيده عقدة النكاح ، ثم علمنا إجمالا من الجملة الثانية ان الذي بيده هذه العقدة واحد من اثنين : إما الزوجة ، وإما أبوها ، وهذا العلم الإجمالي يسقط ظهور العام عن الاعتبار ولا يبقي له أي أثر لأن العلم الإجمالي تماما كالتفصيلي من حيث الاعتماد عليه والأخذ به ، فكما ان الظاهر يسقط حتما اذا علمنا تفصيلا بأنه غير مراد كذلك يسقط اذا علمنا إجمالا بأنه غير مراد.
وبالاختصار ان الظاهر يوجب العمل حتى يثبت العكس بطريق صحيح ومعتبر ، والعلم الإجمالي من جملة الطرق الصحيحة المعتبرة. وعليه فلا يجوز التمسك بالعام اذا خصص بمجمل تردد مدلوله ومفهومه بين متباينين ، وبالتالي لا يثبت للفرد المردد المشكوك حكم العام ولا حكم الخاص ، لأن الخاص مجمل كما هو الفرض ، بل هو المصدر الأول للإجمال ، واذا تعذر إجراء الأصل اللفظي في الخاص والعام تعين الرجوع الى الأصل العملي.
إجمال المفهوم المردد بين الأقل والأكثر
٢ ـ أن يكون إجمال الخاص المنفصل ناشئا عن تردد مدلوله ومفهومه بين الأقل والأكثر. وتقدم مثال : أكرم العلماء الراسخين في العلم ، ولكنه في الخاص المتصل ، ويمكن فصله الى جملتين ، ويدخل بذلك فيما نحن فيه ، ولكن نتركه ونعود الى المثال الموروث خلفا عن سلف لأنه أخف وأيسر ، وهو أن يقول لك من تجب طاعته : أكرم العلماء ، ثم يقول في كلام منفصل : لا تكرم فساق العلماء. وأنت تجهل حد الفاسق ومعناه : هل هو الذي يستهين بكبير الجرائم والآثام فضلا عن صغيرها ، أو يعم أيضا من يصون نفسه عن الكبير دون الصغير؟
والمعنى الأقل هنا هو الأول حيث لا يكون للفاسق إلا فرد واحد ، والمعنى الثاني هو الأكثر حيث يكون للفاسق فردان : من باع نفسه بالكامل للشيطان ، ومن أسكته بالحشف التافه. وإجمال الخاص المنفصل الذي تردد مفهومه بين الأقل والأكثر ـ لا يسري الى العام ، أما بالنسبة الى مرتكب الكبيرة فهو خارج عن محل الكلام منذ البداية حيث نعلم بأنه من أفراد الخاص يقينا ، وكلامنا في المشكوك لا في المعلوم.
