دلالة المفهوم
والمراد بها هنا دلالة لفظ الجملة التركيبية على حكم غير مذكور في الكلام لوجود الملازمة البينة الواضحة بين هذا الحكم المفهوم وبين الجملة الملفوظ بها بحيث يستدل بوجودها على وجوده عند الاطلاق وتجرد الكلام من كل القرائن. وهذا هو المراد من تعريف المفهوم بأنه حكم دل عليه اللفظ لا في محل النطق ، وبهذا يتضح معنا ان المنطوق والمفهوم وصفان من أوصاف المعنى باعتبارهما مدلولين للفظ ، وليس من أوصاف اللفظ بالذات كالفصاحة والاطناب والإيجاز. وبكلام آخر ان المعنى من حيث النطق بلفظ يدل عليه يسمى منطوقا ، ومن حيث ان الناطق يقصده ويعنيه يسمى معنى ، ومن حيث ان السامع يفهمه من الكلام يسمى مفهوما ، ومن حيث وضع الاسم له فهو مسمى.
وينقسم المفهوم الى موافق ومخالف ، وحدّ الموافق دلالة اللفظ على ثبوت الحكم الملفوظ للمسكوت عنه وموافقته له نفيا وإثباتا لاشتراكهما في العلة سواء أكانت في المفهوم أقوى وأعلى كدلالة قوله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) ـ ٥ الزلزلة» على حكم ما وراء الذرة ، ودلالة قوله : (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) ـ ٧٥ آل عمران» على تأدية الدرهم والدينار ، أم كانت العلة في المنطوق والمفهوم بمنزلة سواء كدلالة قوله عزّ من قائل : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً) ـ ١٠ النساء» على حرمة إحراقها وإهلاكها.
وقد يطلق على المفهوم الموافق لحن الخطاب وفحوى الخطاب ، لأن الحكم الثابت للمنطوق ، يثبت للمفهوم من نفس الخطاب وروحه ومعناه. والمفهوم الموافق حجة عند الجميع إلا من شذ من أهل الظاهر ، ولذا لا نطيل فيه الكلام. ومن الطريف ما نقل عن ابن حجر في شرحه على البخاري ان بعض الظاهرية قال : إن البكر اذا أعلنت رغبتها في الزواج لم يجز العقد ، لأن رسول الله قال : إذن البكر سكوتها. فيجب الجمود على ظاهر النص!.
وأما حدّ المفهوم المخالف فهو دلالة اللفظ على مخالفة حكم المسكوت عنه للحكم المذكور في السلب والإيجاب ، لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في المنطوق ، ومثاله : (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً) ـ ٩٥ المائدة» فإن تخصيص الحكم بالمتعمد يدل ـ إن قلنا بالمفهوم ـ على نفي الحكم عن المخطئ.
