البحث في النّواهي
قال المحقّق الخراسانيّ (ره) ما حاصله : إنّ النّهي صيغة ومادّة كالأمر في الدّلالة على الطلب بمعنى أنّه لا فرق بين الأمر والنّهي أصلا في ما هو المعنىّ منهما فإنّهما من حيث المعنى هو الطّلب والتّمايز إنّما هو من جهة المتعلّقين حيث إنّ معنى الأمر هو طلب وجود الطبيعة ومعنى النّهي هو طلب عدمها ولما كان وجود الطبيعة إنّما هو بوجود فرد ما وعدمها لا يكون إلّا بعدم جميع الأفراد كما هو مقتضى القواعد العقليّة يكون لا محالة امتثال الأمر بإيجاد فرد ما من الطبيعة ولو كان فردا واحدا وامتثال النّهي إنّما هو بانعدام جميع الأفراد إذ المفروض أنّ متعلّق النّهي هو عدم الطّبيعة وعدمها بعدم جميع أفرادها لا بعدم فرد ما منها.
وخلاصة الكلام أنّ هذا الفرق في امتثال الأمر والنّهي إنّما هو بمقتضى نفس متعلّقهما كما لا يخفى. هذا بالنسبة إلى امتثالهما ، وأمّا الكلام في عصيانهما فلا بدّ وأن يكون عصيان الأمر على هذا الفرض إنّما هو بترك جميع أفراد الطبيعة بحيث لا يأتى بواحد من الأفراد أصلا حيث إنّ المكلّف لو أتى بواحد منها لا يكون عاصيا بل يعدّ مطيعا لأنّ الطبيعة يوجد بوجود فرد ما. اللهمّ إلّا أن يكون الإتيان بالأفراد العرضيّة قبل سقوط الأمر فيكون هناك امتثالات عديدة ، كما بيّنّاه واحتملناه في مسألة المرّة والتكرار.
هذا ممّا لا إشكال فيه على ما فرضه ، إنّما الإشكال في عصيان النّهي وأنّه بناء على ما قرّره وأخذه مبنى كلامه ، كيف يتصوّر عصيان النّهي على الوجه العقلائيّ؟ ضرورة أنّه لو كان الحال كما فرضه من أنّ معنى النّهي ليس إلّا عدم الطبيعة والمفروض أنّ عدمها بعدم جميع أفرادها فلازم ذلك أن يكون عصيانه إنّما هو بإيجاد فرد ما من الطبيعة ولو كان فردا واحدا ، فإنّه بإيجاد فرد من الطبيعة المنهيّ عنها لا يعدّ مطيعا للنّهي إذ لا يعدم جميع أفرادها بل أوجد فردا ما منها فيكون عاصيا لنهي مولاه وحيث إنّ الطلب إنّما يسقط إمّا بالعصيان
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)