وأمّا فرض الواجب المعلّق هكذا من جهة أنّ كثيرا ما يكون الواجب أمرا استقباليّا معلّقا على أمر غير مقدور كالوقت ويكون مقدّماته واجبا فعليّا. وهذا لا يتصوّر البتّة إلّا أن يكون نفس الوجوب فعليّا والواجب استقباليّا معلّقا على أمر غير مقدور كي يمكن ترشّح الوجوب إلى المقدّمات ولذلك قد فرض صاحب الفصول هذا الواجب المعلّق بهذا النّحو دفعا للعويصة فإنّ فعليّة الوجوب للمقدّمات الواجبة نظير وجوب التّدارك والزّاد والرّاحلة قبل بلوغ ذي الحجّة ووجوب الغسل قبل طلوع الفجر وأمثال ذلك لا يتصوّر إلّا بعد فرض كون الوجوب للحجّ فعليّا مشروطا بالشّرط المتأخّر. فلمّا زعم صاحب الفصول عدم معقوليّة الشّرط المتأخّر وزعم أيضا أنّ الإيجاب على كلّ فرد من أفراد المكلّفين قبل حصول الأمر غير المقدور حتّى على من كان يموت قبل حضور الوقت يلزم منه التّكليف بما لا يكون مقدورا ، كما عرفت تفصيله ، فقد فرض الشّرط للتّكليف هو العنوان الانتزاعيّ كي يحسم به مادّة الإشكال. هذا ، فانقدح بذلك أنّه لم يقسّم الواجب إلى المطلق والمشروط أوّلا والمطلق إلى المعلّق والمنجزّ ثانيا ، كما قد يتوهّم ، وأيضا لم يجعل المعلّق قسما ثالثا قبال المطلق والمشروط ، كما يتوهّم أيضا. بل إنّما قسّم (قده) مطلق الواجب باعتبار إلى الواجب المطلق والمشروط وباعتبار آخر إلى المعلّق والمنجّز ، بحيث يمكن انطباق المعلّق على المشروط باعتبار كون شرطه أمرا انتزاعيّا ويكون ظرف الواجب استقباليّا كما يمكن انطباقه على المطلق لما عرفت ، فلا مجال للإشكال على تصوير الواجب المعلّق على ما بيّنّاه أصلا إلّا أنّه بعد تسليم الفرض ، يرد عليه أوّلا أنّ الشّرط المتأخّر لا يكون من المستحيلات العقليّة كما عرفت منّا تصويره فيمكن تصوير الواجب المعلّق بأنّه الواجب المشروط الّذي يكون شرطه متأخّرا عن التّكليف بحيث لا يحتاج إلى تصوير أمر انتزاعيّ مقارن للتّكليف.
وثانيا أنّ الأمر الانتزاعيّ لو فرض فإنّما هو بعين وجود منشإ انتزاعه بحيث لا شيئيّة وجود له في العقل إلّا لشيئيّة المنتزع منه فكيف يعقل كون المنتزع منه بنفسه متأخّرا زمانا والأمر الانتزاعيّ يكون مقارنا؟ هذا ما يمكن أن يورد على كلام صاحب الفصول. والإشكال
![الحجّة في الفقه [ ج ١ ] الحجّة في الفقه](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4379_alhojatu-fi-alfiqh%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)