بوجهين أحدهما أن يكون نزاعهم في مسألة المزيل والمزال مبنيا على اعتبار الاستصحاب من باب الأخبار إذ يمكن أن يقال حينئذ إن شمول الأخبار المذكورة بعمومها لأحد الاستصحابين ليس بأولى من شمولها للآخر وأمّا إن قلنا باعتباره من باب بناء العقلاء فلا خلاف لهم في تقديم الأصل في الشك السّببي عليه في الشكّ المسبّب لاستقرار بنائهم عليه وقد ادعى المصنف رحمهالله في مبحث الاستصحاب استمرار سيرة النّاس عليه ولا ريب أنّ عمدة أدلّتهم على البراءة هو العقل وبناء العقلاء وكذا استصحاب العدم لكون اعتباره أيضا عندهم من باب بناء العقلاء فلا مناص حينئذ من تقديم أصالة عدم وجوب الدّين على أصالة عدم وجوب الحجّ ولكنّه ربّما يشكل بعدم تمسّك أحد من العلماء في اعتبار الاستصحاب مطلقا بالأخبار إلى زمان والد شيخنا البهائي قدسسرهما على ما سيصرح به المصنف رحمهالله في محلّه وثانيهما أنّ اختلافهم في مسألة المزيل والمزال إنّما هو فيما إذا لم يكن الأصل في الشكّ السّببي من الأصول الموضوعيّة وإلاّ يقدم على الشك المسبّب بلا خلاف لدعوى الشيخ علي في حاشية الرّوضة إجماعهم على تقديم الأصول الموضوعيّة على الحكميّة وأصالة عدم الدّين من الأصول الموضوعية بالنسبة إلى أصالة عدم وجوب الحجّ فيختص نزاعهم في مسألة المزيل والمزال بما كان الأصلان فيه من الأصول الحكميّة كاستصحاب النجاسة والطّهارة أو عدمها إذا كان الشكّ في موضوع أحدهما مسبّبا عن الآخر والعجب من المحقق القمي رحمهالله فإنّه مع تسليمه جريان أصالة عدم الدّين في مثال الحجّ من دون معارضتها أصالة عدم وجوب الحجّ ادعى المعارضة في مثال الملاقي للنجاسة المشكوكة الكرّية قال إنّ التمسّك بأصالة عدم الكرّية صحيح ولا يوجب ذلك الحكم بوجوب الاجتناب عما لاقاه لمعارضته باستصحاب طهارة الماء وطهارة ملاقيه انتهى مع كون استصحاب عدم الكرّية أيضا من الأصول الموضوعية فلم يعلم وجه الفرق بين المثالين ويشكل هذا الوجه أيضا باختلاف كلماتهم في المقام فربّما يحكمون بتعارض أصالة عدم الحكم أصالة بقاء الموضوع ولذا ترى أنّ الشيخ في مبسوطه ذهب إلى عدم وجوب فطرة العبد إذا لم يعلم خبره واستحسنه في المعتبر مجيبا عن الاستدلال للوجوب بأصالة البقاء بمعارضتها أصالة عدم الوجوب وحكي عن العلاّمة أيضا في بعض كتبه الحكم بطهارة الماء القليل الذي وقع فيه الصّيد مع عدم العلم باستناد موته إلى الرّمي أو إلى الوقوع في الماء مع أنّ أصالة عدم التذكية من الأصول الموضوعية بالنسبة إلى أصالة طهارة الماء فالإنصاف عدم ثبوت الإجماع المذكور وبقاء التنافي بين إجماعهم في مثال الحجّ واختلافهم في تلك المسألة وهذا أيضا ظاهر المصنف رحمهالله في مبحث الاستصحاب لأنّه مع استدلاله على تقديم الأصل في الشك السّببي عليه في الشكّ المسبّب بالإجماع عليه في كثير من الموارد الّتي منها مثال الحجّ قد نقل كلماتهم المنافية له الّتي قد عرفت شطرا منها ولنرجع إلى توضيح ما ذكره المصنف قدسسره فنقول إنّ الشّارع قد يرتب حكما على موضوع ويجعل لهذا الموضوع شرائط وموانع ويحصل الشّكّ في تحقّق هذا الحكم لأجل الشك في بعض موانع هذا الموضوع أو شرائطه كما في مثال الحجّ إذا حصل الشكّ في حصول الاستطاعة لأجل الشكّ في اشتغال الذّمة بدين مانع من حصول الاستطاعة الشّرعيّة وكذا في مثال الماء الملاقي للنجاسة إذا حصل الشك في نجاسته لأجل الشك في كرّيته وقد يرتّب حكما على موضوع ويتردّد حكم هذا الموضوع عندنا بين حكمين كما إذا تردد الأمر بين وجوب فعل وحرمته كالجهر ببسم الله في الصّلوات الإخفاتية وقد يتردد الأمر في موضع الحكم بين أمرين كما في الإناءين المشتبهين والقصر والإتمام والظهر والجمعة وظاهر صاحب الوافية بقرينة الأمثلة الّتي ذكرها فرض التعارض بين الأصلين في المقامين نظرا في الأوّل إلى معارضة أصالة البراءة عن الدين أصالة عدم وجوب الحجّ وأصالة عدم الكرية أصالة عدم التنجس وفي الثّاني إلى معارضة أصالة البراءة عن وجوب الفعل أو عن حرمة أحد الإناءين أو عن وجوب القصر أو الظّهر أصالة البراءة عن حرمة الفعل أو الإناء الآخر أو وجوب الإتمام أو الظهر وهو في الثّاني متجه لكون الشك المأخوذ في موضوع الأصلين فيه مسبّبا عن ثالث وهو العلم الإجمالي وحكمه التعارض أو عدم جريان الأصلين من رأسهما كما أسلفناه وفي الأوّل ضعيف جدّا لكون الشّكّ في وجوب الحجّ والتنجس مسببا عن الشكّ في تعلق الدّين بالذّمة وعن الشكّ في الكرية لكون الشّكّ في وجوب الحجّ وكذا في تنجّس الملاقي مسبّبا عن الشك في تحقق موضوعهما وهي الاستطاعة في الأوّل وقلة الملاقي في الثّاني فإذا ثبتا بأصالة البراءة عن الدّين وأصالة عدم الكرّية ترتب عليهما حكمهما ولا تعارضهما أصالة عدم الحكمين لما عرفت من أنّ المتعيّن في مثله تقديم الأصل في الشك السّببي عليه في الشك المسبّب فلا تغفل (قوله) وأمّا لاستلزام نفي الحكم به حكما إلخ لا يخفى ما في العبارة من القصور لعدم شمولها لصورة دوران الأمر بين حكمين في موضوع واحد كالوجوب والحرمة لأن نفي الوجوب لا يستلزم حكما ملازما لحكم تكليفي آخر بل نفي الوجوب بنفسه ملازم لثبوت الحرمة في هذا الموضوع بل في مثل الظهر والجمعة والقصر والإتمام أيضا كما لا يخفى نعم يتم ذلك في الإناءين المشتبهين بناء على كون نفي حرمة أحدهما ملازما للإباحة الملازمة لحرمة الإناء الآخر(قوله) يستلزم عقلا أو شرعا إلخ لا يقال لا إشكال في إثبات اللوازم الشّرعيّة بالاستصحاب كما سيجيء في محلّه فإذا فرض أنّ الشّارع رتب وجوب الإنفاق على الزوجة على عدم وجوب أداء الدّين مثلا فلا ريب في أنّ استصحاب عدم وجوب أداء الدّين عند الشك فيه يثبت وجوب الإنفاق والممنوع إنّما هو إثبات اللوازم العقلية والعادية والملزومات الشّرعيّة دون لوازمها لأنا نقول سيشير المصنف رحمهالله إلى استثناء هذا المورد بقوله إلاّ أن يكون الحكم الظاهري إلخ لأن أصالة عدم وجوب أداء الدين مثبت لموضوع الاستطاعة الذي ترتب عليه وجوب الإنفاق (قوله) إلى رفع المانع يعني من ترتب حكم الموضوع (قوله) فإذا انحصر الطّهور إلخ هذا مثال آخر من الأمثلة الشّرعية للوجه الأوّل والفرق بين الأمثلة الثلاثة المذكورة لهذا الوجه أن هذا المثال من موارد جريان أصالة الإباحة ومثال عدم بلوغ الماء كرّا من موارد استصحاب العدم ومثال الحجّ كالمثال العرفي من موارد أصالة البراءة والأصول الثلاثة مشتركة في إثبات موضوع أنيط به حكم شرعي (قوله) حكم مردد بين حكمين إلخ لا يخفى ما في هذه العبارة من القصور لعدم شمولها للإناءين المشتبهين لكونهما من قبيل دوران الأمر في حكم بين عروضه لأحد موضوعين نعم ينطبق ذلك على ما دار الأمر فيه بين الوجوب والحرمة اللهمّ إلاّ أن يريد بالحكمين في مثل الإناءين المشتبهين حرمة شربهما المعلوم ثبوت أحدهما إجمالا ولو قال بثبوت حكم مردّد بين حكمين أو ثبوت حكم مردد بين موضوعين كان أولى (قوله) ولعل مقصود إلخ قد تقدّم عند شرح عنوان هذا الشرط صراحة كلام صاحب الوافية في عدم الاختصاص
