من اختلاف الأخبار أو من الاختلاف في الجمع بينها ولا كلام لنا في ذلك وقد استفاض نقل الاتفاق الذي لا يقصر عن نقل الإجماع كما اعترف به المصنف قدسسره في بعض كلماته على أصل مشروعيته وإنّما الإشكال في كونه على وجه الاستحباب أو الوجوب والأوّل هو المشهور بين المتأخرين بل عزي إلى عامتهم بحمل الأخبار الآمرة بظاهرها بالاستظهار على اختلافها على الاستحباب والمانعة منه بظاهرها الدّالة على ترتيب أحكام الاستحاضة على بيان عدم الوجوب والمصنف قدّس سره بعد أن نقل في كتاب الطّهارة هذا الوجه مع وجوه أخر للجمع بين الأخبار وضعّفها قال وهنا جمع آخر لا يخلو عن قرب ثمّ ذكر ما حاصله إبقاء أخبار الاستظهار على ظاهرها من الوجوب وجعلها مختصة بصورة رجاء المرأة الانقطاع لدون العشرة وحمل أخبار الاغتسال بعد العادة على اليائسة عن الانقطاع هذا في المعتادة وأمّا المبتدئة أعني من لم تستقرّ لها عادة عددية فإنها عند رؤية الدّم على القطنة المستدخلة تصبر حتى تنقى يقينا أو بحكم استبراء آخر أو بمضي من أوّل حيضها عشرة أيّام فإن انقطعت اغتسلت وإلاّ رجعت إلى المتميز على وجه مقرّر في محلّه وحكي عليه الإجماع عن جماعة وأمّا الثّاني فالمعتادة وقتا وعددا وكذا وقتا خاصّة أو عددا كذلك تتحيض الأولى منهن بمجرّد الرّؤية إذا اتفقت في أوّل أيّام العادة إجماعا وكذا إذا تقدّمت عليها بزمان يصدق معه تعجيل العادة للأخبار لا بمثل عشرين يوما وكذا الثّانية في وجه قوي ويشمله إطلاق إجماع المحقق في الشّرائع وقيل وكذا إجماع الفاضل في المنتهى وكذلك الثالثة في وجه لا يخلو من نظر إن لم يكن إجماعا وأمّا المبتدئة فتتحيّض بالرّؤية عند المصنف رحمهالله وجماعة من المتأخرين بشرط اتصاف الدّم بصفات الحيض وبدونه يستظهر إلى مضي ثلاثة أيّام والكلام في هذه المراتب مقرّر في الفقه أمّا الأوّل فربّما يقال إنّ مقتضى الأصل فيه بقاء دم الحيض وأورد عليه المصنف رحمهالله في كتاب الطّهارة بمعارضته أصالة بقاء الدّم إلى ما بعد العشرة المستلزم لعدم كونه حيضا شرعا ثمّ قال لكن المرجع بعد تسليم المعارضة إلى استصحاب أحكام الحيض لا نفس الموضوع وأقول إن قوله مع تسليم المعارضة إشارة إلى حكومة أصالة البقاء إلى ما بعد العشرة على أصالة بقاء دم الحيض لأنّ الشّكّ في كون الدّم بعد أيّام العادة وقبل العشرة دم حيض مسببا عن الشكّ في تجاوز الدّم عن العشرة نعم يرد عليه أن جريان الاستصحاب مشروط ببقاء الموضوع فمع تعارض الأصلين يشك في بقاء الموضوع فلا يصح استصحاب أحكام الحيض حينئذ ثمّ قال نعم لو قلنا بأن الأصل لا يجري في مثل المقام من الأمور التّدريجيّة كما نبّهنا عليه مرارا كان الأصل عدم حدوث دم الحيض زائدا على ما حدث فيزول به استصحاب بقاء أحكام الحائض انتهى وقد صرّح بعدم جريان هذا الأصل في المبتدئة وفيه أن مبني الاستصحاب على التسامح وإلاّ لم يجر استصحاب الأزمان وهو اتفاقي بل ادعى عليه بعضهم الضّرورة ومن هنا تبيّن عدم كون الحكم بالتحيض مبنيا على الاستصحاب وإن كان جريانه متّجها في المقام وربّما يقال بابتنائه على قاعدة الإمكان وأورد عليه المصنف رحمهالله أيضا بأنّها إنّما استفيدت من الإجماعات المحكيّة دون الأخبار لعدم نهوضها لإثباتها كما قرّر في الفقه والمفروض أن المشهور بين المتأخرين عدم الحكم بالحيضية في المقام وجعل الاستظهار مستحبّا مع أن قاعدة الإمكان كما تقدّم في محلّه لا تجدي في التحيّض بدم متزلزل يحتمل ظهور كونها المستحاضة لعدم استقرار الإمكان فتأمّل فالأولى إثبات وجوب الاستظهار بالأخبار انتهى ولعلّ هذا هو الوجه في عدم تعرّض المصنف رحمهالله لقاعدة الإمكان هنا مع تعرضه لها في حكم المبتدئة وأمّا الثّاني فأصالة الطّهارة وعدم الحيض هنا متجهة وصرّح المصنف رحمهالله في الطهارة هنا أيضا بعدم ابتناء وجوب التحيض على قاعدة الإمكان معلّلا بما تقدّم من عدم استقرار الإمكان وممّا ذكرناه قد ظهر ما في كلام المصنف رحمهالله من مواقع النظر أمّا أوّلا فإن شهرة الحكم بين المتأخرين باستحباب الاستظهار لا يضرّ بعد اختياره للوجوب ولو في الجملة وأمّا ثانيا فلما عرفت من عدم كون الوجوب مبنيا على الاستصحاب مضافا إلى عدم صحة الجمع بين استصحاب الموضوع والحكم في قوله لمراعاة أصالة بقاء الحيض وحرمة العبادة كما هو واضح وأمّا ثالثا فإن كون الحكم في المبتدئة مستفادا من الإطلاقات مشكل بل غير صحيح لأنّ اتصاف الدّم بكونه دم حيض مشروط بعدم نقصانه عن ثلاثة أيّام فمع الشّكّ في أوائل زمان الرّؤية في أنّه يتجاوز عن الثّلاثة أم لا تصير الشبهة موضوعيّة لا يصحّ فيها التمسّك بالإطلاقات عند المصنف رحمهالله خلافا للمحقّق الثّاني كما سيجيء في مبحث الاستصحاب وأمّا رابعا فلما عرفت من عدم كون الحكم بوجوب تحيّض المبتدئة مبنيا على قاعدة الإمكان نعم قال المصنف رحمهالله في المعتادة أن تحيضها برؤية الدّم مع أصالة عدم حدوث الزّائد من جهة أن العادة سبب شرعيّ للحكم وليس من جهة الإمكان حتّى يعتبر فيه الاستقرار وكيف كان فقد يورد على المثال أيضا بكون حرمة عبادة الحائض تشريعية وقد تقدّم عند تحرير محلّ النّزاع خروج ذلك من محلّ النزاع وفيه أنّه خلاف ظاهر الأوامر نعم قال المصنف رحمهالله لا إشكال في تحريم الصّلاة يعني على الحائض من حيث التّشريع وهل هي محرمة ذاتا كقراءة العزائم أو لا حرمة فيها إلاّ من جهة التشريع بفعل الصّلاة الغير المأمور بها وجهان من التصريح بعدم الجواز والأمر بالترك في النّصوص وأكثر معاقد الإجماعات ففي صحيحة زرارة إذا كانت المرأة طامثا لا تجوز لها الصّلاة وفي صحيحة أخرى لا تحل لها الصّلاة وفي أخرى إذا دفقته يعني الدم حرمت عليها الصّلاة ونحوها غيرها وفي المنتهى يحرم على الحائض الصّلاة والصّوم وهو مذهب عامة أهل الإسلام ومن أن الظّاهر توجّه التحريم والأمر بالترك في الأدلّة على فعل الصّلاة على وجه التعبد والمشروعيّة كما كانت تفعلها قبل الحيض ولا ريب في حرمة ذلك لأنّه تشريع وتعبد بما لم يأمر به الشّارع وإنّما تظهر الثمرة في حسن الاحتياط بها بفعل الصّوم والصّلاة الواجبين أو المندوبين عند الشّكّ في الحيض مع فرض عدم أصل أو عموم يرجع إليه فإن قلنا بالتحريم الذّاتي لم يحسن له الاحتياط سيما بفعل المندوبة والأقوى عدمه للأصل وظهور النّواهي فيما ذكرنا مع أن أوامر الترك واردة في مقام رفع الوجوب ولذا أبدل التحريم في المعتبر والنّافع بعدم الانعقاد فقال في المعتبر لا ينعقد للحائض صوم ولا صلاة وعليه الإجماع وقال المصنف رحمهالله هنا ولا يصحّ منها الصّوم انتهى وأنت خبير بأنّه يمكن منعه لمخالفته لظواهر الأخبار ولا مانع من اجتماع الجهتين مع قصد التعبد كما في قراءة العزائم وقد سمعت من بعض مشايخنا وجود خبر دالّ على حرمة صلاة المحدث ولو مع عدم قصد التعبّد
