تعالى وأنّ السّنة إذا قيست محق الدّين وما ورد عن أبي الحسن موسى عليهالسلام حيث سئل عن العمل بالقياس فقال وما لك والقياس إنّ الله تعالى لا يسأل كيف أحلّ وكيف حرّم سيّما مع جمع الشارع في الحكم بين المختلفات وتفريقه بين المؤتلفات كما في منزوحات البئر وغيرها لأنّه مع ملاحظة ذلك كلّه لا يمكن حصول الظنّ باتحاد حكم الفرع مع الأصل بمجرّد الظنّ بالمناسبة واتّحادهما في العلّة ثم أكد ذلك بالأخبار الدالّة على أنّ أوّل من قاس إبليس حيث ذكروا في وجه الردع أنه لم يعرف الفرق بين النّار والطين وبين آدم ونفسه فقاس آدم على نفسه وبما دلّ على وجه بطلان القياس حيث قال وقد ذكروا عليهالسلام في الأخبار مواضع شتّى في ردّ أبي حنيفة تدلّ على عدم حجيّة القياس في الأصل مثل أنّ القتل يثبت بشاهدين والزنى لا يثبت إلاّ بالأربع مع أنّ القتل أكبر والمني يوجب الغسل والبول يوجب الوضوء مع أنّه أكبر وأنّ صوم الحائض يقضى دون صلاتها مع أنّها أكبر من الصّيام وجعل للرّجل في الميراث سهمان وللمرأة سهم مع أنّها أضعف وأنّ يد السّارق تقطع بعشرة دراهم ويؤدى بخمسة آلاف وغيرها من الأخبار مما يدلّ على غلبة مخالفة الواقع في العمل بالقياس خصوصا مع ملاحظة رواية أبان بن تغلب الواردة في دية أصابع الرّجل والمرأة ومع عدم إدراك العقول القاصرة للحكم والمصالح الّتي هي منشأ الأحكام الشّرعية بمجرّد القياس وزوال ما أدركت الأوهام الضّعيفة من مناطات الأحكام بملاحظة ما قدّمناه كيف تمكن دعوى حصول الظنّ بالأحكام الشّرعيّة بمجرد القياس والاستحسان من دون بيان من الأئمة عليهمالسلام فيكون خروج القياس من تحت نتيجة دليل الانسداد بحسب الموضوع دون الحكم وتوضيح الجواب أنّ منع حصول الظنّ من القياس مطلقا مصادمة للوجدان ومكابرة للعيان لكون الإدراكات العقليّة اضطراريّا عند حصول أسبابها كيف لا والطّباع مجبولة على العمل به ولذا عمل به إبليس وقيل في حقّه أوّل من قاس إبليس فلو لم يكن مفيدا للظنّ لم يقدم العقلاء على العمل به ولم يحتج إلى النّهي عنه ومن هنا يظهر ضعف التمسّك بالأخبار النّاهية عن العمل به لعدم إفادته الظنّ إذ هذه الأخبار أدل على المطلوب إذ القياس لو لم يكن من أسباب الظن لم يحتج إلى النهي عن العمل به لعدم المقتضي للعمل به حينئذ حتّى يحتاج إلى النّهي عنه فالتّحقيق أنّ القياس ونحوه من الاستحسانات والمصالح المرسلة لمّا كان مفيدا للظنّ غالبا وكانت طباع العقلاء مجبولة على العمل بالرّاجح عندهم وكان خطأ هذه الأمارات أكثر من صوابها فاحتاجوا عليهمالسلام إلى النّهي عنها ويؤيّده أوّلا جعل جماعة من الأخباريين نهي الشّارع عن العمل بالقياس دليلا على بطلان الاجتهاد فلو لم يكن مفيدا للظنّ لم يكن وجه لهذا النّقض أصلا وثانيا ما أسلفه المصنّف رحمهالله من صاحب الفصول من جعله نهي الشّارع عن العمل بالقياس مع كونه من الأمارات الظنيّة دليلا على نصب الشّارع طرقا مخصوصة لامتثال أحكامه وثالثا ما ذكره المصنف رحمهالله هنا من أنّ من أقسام القياس ما يفيد القطع بالحكم الشّرعي ويسمّى بتنقيح المناط القطعي فكيف ما هو دونه وهو الظنّ ورابعا أنّ من أقسامه أيضا قياس الأولويّة الاعتباريّة وقد عمل به جماعة منّا ولا ريب في إفادته للظنّ نعم بملاحظة ما تقدّم لا يحصل الظنّ منه في كثير من الموارد أو أغلبها وأما منعه مطلقا فالضّرورة تشهد ببطلانه والموجبة الجزئية تكفي في إبطال السّالبة الكلّية الّتي هي مبنى جواب المجيب وأما باقي الأخبار فيرد عليها أيضا منع دلالتها على عدم إفادة القياس للظنّ لأنّ جملة منها تدل على عدم إدراك العقول القاصرة للحكم والمصالح في الأحكام الشرعيّة ولا ريب أنّها منزلة على الغالب إذ لا ريب في كون مناطات كثير من الأحكام مستفادة من العقل والشّرع وذلك لا ينافي إفادته للظنّ ولو في بعض الموارد وجملة منها واردة في مقام بيان تطرق الخطإ والاشتباه إلى القياس في عدّة من الموارد وهذا المقدار من التخلّف عن الواقع لا ينافي أيضا حصول الظنّ من القياس لحصوله في الأخبار المتعارضة أيضا مع عدم خروجها بذلك من الحجيّة وإفادة الظنّ فالمقصود منها الرّد على أبي حنيفة في عمله بالقياس مطلقا بل في خبر أبان دلالة واضحة على المدعى من منع عدم إفادة القياس للظن كما لا يخفى وأمّا جمع الشّارع بين المختلفات وتفريقه بين المؤتلفات فهما غير مؤثرين في إفادة القياس للظنّ وإلا لأثر في منع حصول العلم من تنقيح المناط أيضا وليس كذلك جزما مع أنّ ذلك كما ذكره المصنف رحمهالله بالنّسبة إلى موارد جمعه بين المؤتلفات وتفريقه بين المختلفات قليل جدّا كما هو واضح عند من تتبّع أبواب الفقه فهو غير مانع من حصول الظنّ (قوله) للعلم بأنّ الشّارع إلخ حاصله أنا نعلم لأجل نهي الشّارع عن العمل بالقياس أن حكم الله تعالى غير ما يستفاد منه وإن لم نعلم أيّ شيء هو ففي تعيينه يرجع إلى سائر الأصول اللّفظيّة أو العمليّة وإن كان مؤداها عين مؤدّاه يعني إذا حصل الظنّ من القياس بحكم فهذا الحكم باطل من حيث كونه مؤدّى القياس وصحيح من حيث كونه مؤدّى دليل آخر فلا تناقض حينئذ بين حجيّة الظنّ مطلقا وحرمة العمل بالظنّ الحاصل من القياس (قوله) الرابع أنّ مقدّمات إلخ هذا الجواب كسوابقه ممّا ذكره المحقق القمي رحمهالله كما أشرنا إليه وحاصله أن نتيجة دليل الانسداد إن كانت حجيّة الظنّ بوصف كونه ظنّا أو حجيّة الأمارات من حيث إفادتها للظنّ فهي تنافي استثناء القياس منها لكون الظنّ الحاصل منه من جملة أفراد الظّنون وليس كذلك بل نتيجته حجيّة الأمارات من حيث هي مع قطع النّظر عن معارضاتها وهذا المعنى قابل الاستثناء وهذا الجواب لما كان في غاية من الضّعف إذ لا مسرح للعقل في الحكم بحجيّة الأمارات من حيث قطع النّظر عن إفادتها للظنّ الفعلي لأنّ العقل بعد الانسداد وبقاء التكليف إنما يحكم بوجوب تحصيل الأقرب إلى الواقع وإلى غرض الشّارع ولذا يحكم بوجوب الاحتياط حينئذ لو لم يثبت عدم وجوبه للعسر ونحوه وليس الأقرب إلى الواقع إلا الظنّ أو الأمارات من حيث إفادتها له لا الأمارات من حيث هي ومع التّسليم فلا ريب في عدم صحة الاستثناء من الأمارات أيضا لما أسلفناه عند بيان وجه الإشكال في استثناء القياس من عدم قابليّة حكم العقل للتّخصيص أصلا فالتجاء المصنف رحمهالله إلى توجيه كلامه وصرفه عن ظاهره بحمل كلامه على أن مقصوده من كون النتيجة هي حجيّة الأدلّة الظّنية
