فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤) ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧)
[٣١] (بِمَكْرِهِنَّ) : بقولهنّ. (مُتَّكَأً) : قيل : طعاما. وقيل : نمارق ؛ أي : وسائد متّكئين عليها. ومن قرأ : «متكيا» ـ بإسكان التاء وطرح الهمزة ـ فإنّه أراد الأترج. (أَكْبَرْنَهُ) : أعظمنه وأجللنه. وقيل : حضن. وقيل : دفقن المنيّ. (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) : أصابعهنّ من دهشتهنّ لحسنه وجماله. (حاشَ لِلَّهِ) تنزيها واستثناء. (إِنْ هذا) : ما هذا.
[٣٢] (فَاسْتَعْصَمَ) : امتنع. (الصَّاغِرِينَ) : الأذلّاء.
[٣٣] (السِّجْنُ). بفتح السّين أي : حبسي نفسي. وبالكسر : السّجن. قيل : شكا يوسف السّجن إلى الله. فأوحى الله إليه أنّك اخترته بقولك : (أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ). قيل : دعته النسوة إلى ما دعته زليخا. (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ) : أمل. سأله العصمة عن الإرادة لا عن الشّهوة.
[٣٥] (مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ) ؛ من القميص وقدّه وشهادة الطّفل وابن عمّ المرأة وقطع النساء أيديهنّ. (حَتَّى حِينٍ). قيل : سبع سنين. وقيل : خمس. وقيل : حتّى ينقطع حديثي وحديثه من أفواه النّاس. وقيل : وقع ذلك بإشارة الأشراف كانوا حول الملك.
[٣٦] (فَتَيانِ) : مملوكان اتّهمها الملك على إرادة أن يسمّاه ، فحبسهما. (قالَ أَحَدُهُما) : صاحب شراب الملك. (إِنِّي أَرانِي) في المنام (أَعْصِرُ خَمْراً) : عنبا. كقولك : أعصر زيتا ؛ أي : زيتونا. (وَقالَ الْآخَرُ) : صاحب طعامه. (إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا) : أخبرنا (بِتَأْوِيلِهِ) : بتفسيره.
[٣٧] (قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ) من بيوتكما أو غيرها ، (إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ) : أخبرتكما بألوانه (قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما). فقالا ليوسف : إنّما يعلم هذا الكهنة والسّحرة. فقال لهما : (ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ) : دينهم.
