وورد في مجمع البحرين : أنّ (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) أي ما ضيّق. وهذا يعني أنه فسّر الحرج بالضيق. ولكن أرى أنّ تفسيره ب «ما ضيّق» يستقيم معه معنى الجملة. فيكون معنى الآية «ما ضيّق بأن يكلّفكم ما لا طاقة لكم به وما تعجزون عليه» وسبق وأن قلنا : إنّ العجز وعدم الطاقة ليس بمعنى الحرج. لكن نعود فنقول : إنّ الأساس هو أنّه فسّر الحرج بالضيق والتضيّق.
بعد ذلك يورد صاحب مجمع البحرين قولاً يؤيّد فيه ما جاء في كتاب النهاية. يقول صاحب مجمع البحرين : وفي كلام الشيخ علي بن إبراهيم ـ وهو من الأدباء واللغويين ـ الحرج الذي لا مدخل له ، والضيقة ماله مدخل. إذن الضيق فيه مندوحة ومهرب ، وأمّا الحرج فلا مفرّ منه ولا مهرب.
وظاهر هذا الكلام ، أنّه مرادف لما جاء في النهاية من أنّ الحرج هو أضيق الضيق.
وأدقّ ما ورد في تفسير هذا الكلمة ، هو ما قال الراغب الأصفهاني في مفرداته ، ـ وهو من الكتب النفيسة جدّاً ـ من أنّ أصل الحرج والحراج ، هو مجتمع الشيء وتصوّر منه ضيق بينها ، فقيل للضيق حرج ، وللإثم حرج. إذن من هنا نفهم أنّ الحرج ليس بمعني الضيق ، ولا بمعنى الإثم ، بخلاف ما أورده صاحب النهاية إذ يقول : الحرج في الأصل الضيق ، بل هو اجتماع أجزاء شيء واحد وحدوث تداخل وترابط فيما بينهم. هذا الاجتماع هو ما يسمّى بالحرج. ويلزم عن حالة الاجتماع هذه الضيق. لأنّ الشيء إذا كانت أجزاؤه متفرّقة فلا ضيق ، وأمّا إذا تجمّعت في مكان واحد ، خاصّة إذا كان الشيء من قبيل السوائل التي لها تركيب خاص ، حينئذٍ فإنّ الاجتماع يستلزم الضيق. أي أنّ الأشياء تداخلت فيما بينها وترابطت ، ومن هنا عبر عن المعنى الحقيقي للحرج بأن قال : هو مجتمع الشّيء ـ على حدّ تعبيره ـ وقوله تصوّر منه ، يعني استلزم من حالة الاجتماع ضيق فيما بين الأجزاء.
