ولكن من الطبيعي أن يكون رأيهم هو أنّ الآية : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) يعني إلّا ما لا يكون حرجياً عليها. وإذا حملنا هذه الآية على هذه المعنى فستدرج ضمن أدلّة نفي الحرج.
ولكن هذه الآية لا تدلّ على هذا المعنى ، والدليل على ذلك هو الفقرة التي تبعت قوله تعالى : (رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً ...) وهي قوله : (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) هذه الفقرة من الآية تعرّض مسألة اخرى غير مسألة الإصر وغير مسألة الحرج ، فمسألة الحرج ومسألة الإصر صيغتا بصورة دعاء.
والسؤال الآن : ما ذا يريد رسول الله صلىاللهعليهوآله بدعائه هذا : (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ)؟ هل يريد أن يقول : لا تحمّلنا ما تقصر عنه قدرتنا العقلية؟ هذا الأمر يقرّ العقل بقبحه ، وهو قبيح بالنسبة للأشخاص العاديّين ، فكيف لا يكون قبيحاً بالنسبة لله تعالى؟
وإذا أراد الله أن يكلّف الإنسان بما لا يقدر عليه ، فما هو المبرّر لهذا الدعاء : (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) بعد بيان مسألة الحرج ومسألة الإصر؟
ومن جهة اخرى لا يمكن أن تطرح مسألة القدرة العقليّة وعدّها في هذا الخصوص ، لأنّها لا تشكّل دليلاً محكماً لوجود معنى جديد يقع برزخاً بين الحرج وعدم القدرة الفعليّة ، أو فقل درجة تتوسّط بينهما.
وسأذكر العنوان الذي يدخل هذا المعنى في إطاره ، كما سأذكر الشواهد التي تؤيّده فيما بعد. والآن نتساءل هل يمكن أن نستفيد من نفس الآية على أنّ قوله تعالى : (ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) وكذا كلمة (وُسْعَها) التي طرحت في صدر الآية ، لا يدلّان على مسألة الحرج ، بدليل أنّ هذه الفقرة من الدعاء (رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً) بعيدة عن مفهوم الحرج؟ هذا من جهة.
ومن جهة اخرى فإنّ الدعاء : (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) غير ناظر
