الغرابة ، والآية الكريمة : (رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا) تؤيّد هذا المعنى. وكما أشرنا سابقاً في خصوص دعاء إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام ، فإن الله عزّ شأنه عند ما يحكي دعاء أحد الأنبياء ثمّ يسكت ، فهذا يعني ، أن الدّعاء قد استجيب ، وإلّا لكان من غير المناسب نقل هذا الدعاء ، ومع نقله وعدم إجابته يتحتّم على الله عزوجل أن يردّ بالنفي عليه.
إذن ، المنظور في الآية ليس مجرّد دعاء الرسول ، وإنّما دعاء يستتبعه استجابة. وهنا كلمة (إِصْراً) جاءت في سياق النفي ، وهي تفيد العموم ، أي : لا تحمّلنا أيّ إصر في أيّ من التكاليف. إذن الآية تطرح معنىً عامّاً وكليّاً.
الاستدلال بصدر الآية وبيان المراد من «الوسع»
بعد ذلك تأتي فقرة جديدة من الدعاء وهي قوله تعالى : (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) ، والمتتبع لسياق الآية يجد أنّ هناك ارتباطاً خاصّاً بين صدر الآية : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) وبين الفقرة من الدعاء ، وهي (رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ) وقد عدّ المحقّق النراقي رحمهالله في كتابه العوائد قوله : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) من الأدلّة التي يستدلّ بها على قاعدة نفي الحرج ، وأنّها دليل مستقل عن هذا المضمار ، وتبعه في ذلك المحقّق البجنوردي رحمهالله في كتابه «القواعد الفقهية».
والآن لنرى هل هي كذلك ، أم لا؟ هنا لا بدّ أن نبحث المسألة من جهتين :
الجهة الاولى :
هو أنّنا نعلم مسبقاً أنّ القدرة العقليّة تعتبر شرطاً عقلياً في تعيّن التكليف بالنسبة للإنسان ، فلو أمر رجلٌ ابنه بالقيام بعمل لا يقدر على إنجازه بالمرّة ، لاستقبح العقلاء منه ذلك. لأنّ العقل يقرّر هذه الحقيقة ، وهي أنّه لا معنى أن تأمر
