ويتلى عليه آيات الكتاب؟
فبحسب الظاهر هناك منافاة بين الاثنين ، بين العرب وبين كلّ من التربية والتزكية والتعليم وتلاوة آيات الكتاب. إذن كيف دعا إبراهيم عليهالسلام بمثل هذا الدعاء؟ وكيف طلب من الله أن يبعث بين العرب رسولاً بكونه معلّماً ومربّياً؟ فلا يوجد أيّ نوع وفاق أو تقارب بين سلوكهم وتفكيرهم وبين هذه القضايا ، فهم بعيدون كلّ البعد عنها.
يقول صاحب المنار : إنّ إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام كانا ملتفتين إلى هذه النقطة ، ومع ذلك قالا في آخر دعائهما : (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، وبالطبع هناك معاني عديدة للعزّة ، وأحدها هي القدرة ، والعزيز هو القادر ، فقول : (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ) بمعنى إنّك أنت القادر ، أي تستطيع بقدرتك أن تعلِّم وتربِّي هؤلاء العرب الذين هم بعيدون عن الحضارة ، وبعيدون عن التربية والتعليم. صحيح أن الأمر بذاته يعدُّ أمراً صعباً ولا يتناسب مع هؤلاء ، ولكن ليست هناك أيّة صعوبة إزاء عزّتك وقدرتك ، فبقدرتك يمكن حلّ هذه المسألة ، خاصّة إذا كانت القدرة مصحوبة بالحكمة والتدبّر والتعقّل ، لا بالخشونة والغلظة والإجبار والإكراه ، فإذا كانت هناك قدرة تصحبها الحكمة يمكن حلّ هذه المشكلة.
إذن فصاحب المنار أراد أن يخصّص قوله : (مِنْ ذُرِّيَّتِنا) بالعرب ، ومن ثمّ حلَّه بذيل الآية : (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
وهنا يطرح هذا السؤال نفسه وهو : هل أن كلّ العرب هم ذريّة إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام؟ وهل تنتهي كافّة القبائل العربيّة بإبراهيم وإسماعيل؟
الآية تقول : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا) أي ليس كل الذّرية ، وإنّما بعض ذريّة إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام؟ ما علاقة (ذُرِّيَّتِنا) بالعرب حتّى تكون شاملة لكلّ العرب؟ وبوجود (مِنْ) التي تفيد التبعيض تبدوا المسألة أصعب من السابق. فما هو المبرّر
