فيهم كما اختصّها الله سبحانه وتعالى به وتلطّف بها عليه حيث نصبه بقوله تعالى : (جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) ، ولكن في تلك الآية فإنّ القضيّة طرحت بصيغة السؤال ، حيث سأل إبراهيم عليهالسلام ربّه : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) أي هل للبعض من ذرّيتي نصيباً في الإمامة والقيادة قيادة الإمامة ، فجاء الردُّ من قبل الله سبحانه وتعالى ، وهو قوله : (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
ويبدو لنا إذا قارنّا بين هذه الآية وتلك ـ خاصّة بعد الأخذ بنظر الاعتبار ـ ما أشرنا إليه من أنّ الآيات : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ...) تحكي عن الظروف التي انطلق الدعاء في أجوائها. حيث تصوّر لنا الآية أنّ إسماعيل كان شابّاً ذا نظارة وممتلئاً بالطاقة والحركة ، وبإمكانه مساعدة إبراهيم في بنائه للبيت الحرام ، وبناءً على أنّ هذه الآية جاءت بعد الآية التي يقول فيها تعالى : (قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) ، فعمر إبراهيم عليهالسلام يدلّنا على أنّ هذه الآيات في تسلسلها الزمني تأتي متأخّرة عن تلك الآية ـ والآن إذا قرنّا بين الآيتين ، نرى أنّه في الآية الأولى يسأل إبراهيم ربّه قائلاً : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) فيردّ عليه تعالى : (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). في الحقيقة هنا حصل إبراهيم على معيار أو ملاك معيّن حيث فهم أنّ المرشّح لأمر الإمامة بالجعل الإلهي والعطاء الإلهي يجب أن لا يمت إلى الظلم بأيّة صلة.
واستناداً إلى الرّوايات ، وكذلك بحكم التناسب أو السنخية الموجودة بين الحكم والموضوع فإنّ عدم التلبّس بالظلم هو شرط ليس فقط عند التصدّي لأمر الإمامة ، بل يجب أن يكون الإمام غير متلبّس بالظلم في الماضي أيضاً ، أي أن يكون بعيداً عن الظلم طوال عمره. والمقصود من الظلم هنا ليس المعنى المتداول بيننا وفي استعمالاتنا العرفيّة. والظلم له معنى خاص ، وفهم العامّة للظلم هو أن يسرق شخص مال شخص آخر ، أو أن يضرب إنسان إنساناً آخر بلا أي مبرّر ،
