ولا خصوصية لعنوان العلم بل يجوز قيام البيّنة مقامه فيثبت بها نجاسة الشيء أيضاً وهكذا يجوز قيام الاستصحاب مقام العلم فيثبت به نجاسة الشيء أيضاً. وهكذا يجوز قيام أخبار ذي اليد مقامه كما إذا أخبر صاحب البيت بأنّ هذه السجادة نجسة فيثبت بأخباره نجاستها وإخباره حجّة ولو لم تحصل مظنّة أو علم بالنجاسة.
فتحصل أن هنا ضابطتين الأولى بالنسبة إلى المستثنى منه وهي إنّ موضوعات الأحكام ظاهرة في الفعلية ولعناوين الموضوعات خصوصيّة وموضوعيّة.
والثانية بالنسبة إلى المستثنى وهو عنوان العلم واليقين وأمثال ذلك كالتبيّن ولا خصوصيّة عرفاً لهذه العناوين ولذا يجوز قيام غيره كالأمارة والأصل مقامه.
ثمّ إذا اتضح هاتان الضابطتان نرجع إلى قوله تعالى : (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) فنقول :
أوّلاً : أنّ الخيط الأبيض هو الفجر الصادق الذي يشبه الخيط لقلّة عرضه وهو بنحو أفقي في السماء ويتزايد شيئاً فشيئاً.
وثانياً : أنّ الخيط الأسود عبارة عن الليل وعبّر عنه بالخيط أيضاً لوجهين أمّا للمشاكلة (١) التي من المحسنات البديعية التي ذكرت في المطول والمختصر بمعنى أنه لمّا عبّر عن الفجر بالخيط الأبيض عبّر عن الليل بالخيط الأسود للمشاكلة في التعبير وإمّا للمقايسة بين الخط الأبيض وما يشغل من الليل فإنّ الخيط الأبيض يشغل بمقدار خيط أسود من الليل وأنّه يزول بالخيط الأبيض مثله من السواد وهذا الوجه يمكن استفادته من المجمع بالتأمّل وإن لم أقل أنه يريد ذلك جزماً.
وثالثاً : أنّ قوله (مِنَ الْفَجْرِ) احتمالات ثلاثة : التبعيضية والتبيينية والنشوية
__________________
(١). قال الخطيب القزويني في تلخيص المفتاح : المشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقاً أو تقديراً (مختصر المعاني ، ص ١٩٠).
