هذا مطعم بن جبير شيخاً ضعيفاً وكان صائماً فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر فلمّا انتبه قال لأهله قد حرم عليّ الأكل في هذه الليلة فلمّا أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه فرآه رسول الله صلىاللهعليهوآله فَرَقَّ له وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرّاً في شهر رمضان فأنزل الله هذه الآية فأحلّ النكاح بالليل في شهر رمضان والأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر». فحاصل شأن النزول أنّه بعد تشريع الصوم كان هناك حكمان أحدهما تحريم مجامعة النساء في ليلة شهر رمضان مضافاً إلى حرمتها في نهار رمضان لمن كان صائماً وثانيهما عدم جواز الأكل والشرب بعد النوم فإنّ نام بعد أكل العشاء واستيقظ قبل الفجر فلا يجوز له السحور أي ما يسمى بالفارسية ب «سحرى» فجواز أكل السحور كان لمن لم ينم في الليل.
ولمّا وقع اغماء الشيخ وتخلّف الشباب تغيّر الحكم وجوّز الشارع أكل السحور بعد النوم والجماع في الليل ولا يخفى أن الأمر في قوله تعالى : «باشِرُوا» وفي قوله تعالى : (كُلُوا وَاشْرَبُوا) في مقام رفع الحظر ولا يدلّ على الوجوب ، بمعنى أن المباشرة والأكل والشرب في الليل كان ممنوعاً ومحظوراً والآن لا بأس بها.
الكلام في الغاية
إلى هنا اتضح شأن نزول الآية ومفادها إلى الغاية أي (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) والكلام هنا في الغاية ومن المعلوم انّ العرف يستفيد منها بمناسبة شأن النزول وخصوصيات الآية جواز المباشرة والأكل والشرب إلى تبين طلوع الفجر أمّا بعده فلا والمؤيّد لهذا المطلب قوله بعد ذلك (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) بمعنى انّ إباحة هذه الامور تنتهي بمجرّد طلوع الفجر وعليكم من بعد طلوع الفجر إتمام الصيام إلى الليل.
