العبادة من العبادة الحرجيّة؟ فهل يوجد هناك أمر؟ فلو كان المفاد الأوّلي لقاعدة الحرج هو نفي الوجوب وعدم الإلزام ، فلا معنى لأن يكون هناك أمر في العبادة الحرجيّة ، لأنّ معناه طرح قاعدة) لا حرج (، فإذا لم يكن هناك أمر فمن أين تأتون بالملاك.
ففي مسألة المتزاحمين كنّا نعلّم أنّ المسألة لا ارتباط لها بالمولى أبداً ، وإنّما الإشكال يرتبط بالمكلّف وضعف قدرته ، فإنّ المكلّف لا يستطيع الجمع بين الإنقاذين ، ولا يتمكّن في آن واحد أن يجمع بين الصلاة والإزالة ، وهنا بلحاظ عجز المكلّف قام المولى ورفع اليد عن أحد الأمرين ، وهذا لا يقتضي أن لا تكون في الصلاة عند ترك الإزالة أيّ مصلحة وأن تختلف هذه الصلاة عن البقية الصلوات ، حتى تكون الصلوات بأجمعها معراج المؤمن إلّا هذه الصلاة ، وأنّ بقيّة الصلوات (تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) إلّا هذه الصلاة ، فهنا نحرز مسألة الملاك والمناط بشكل كامل ، ولذا فإنّ المرحوم الآخوند من أجل هذا المناط قام بتصحيح العبادة وحكم بصحّة الصلاة.
ولكن فيما نحن فيه من أين لنا أن نعرف انّه في العبادة الحرجيّة رفع التكليف فقط ، وأمّا الملاك فلا يزال محفوظاً ، وأنّ المناط في الصوم الحرجي وغيره واحد؟ فعلى هذا لا بدّ من إحراز هذا المعنى ، ولا يكفي مجرد الاحتمال ، فلو أحرزنا أنّ تلك المصلحة التامّة الموجودة في الصوم غير الحرجي موجودة أيضاً في الصوم الحرجي ، فبإمكاننا أن نحكم بصحّة الصوم الحرجي ، وأمّا إذا لم نحرز ذلك ، ولم نتمكّن من إثباته ، فلا طريق لنا حينئذٍ إلى تصحيح العبادة الحرجيّة.
وربّما يأتي شخص ويقول : نحن نثبته بأن نقول : إنّ (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) واردة في مقام الامتنان ، والامتنان يقتضي أنّ الله لم يجعل وجوباً للصوم الحرجي ، لكن هل يقتضي الامتنان أن يقول : إنّ الصوم الحرجي لا قيمة له أصلاً؟
