لتكونوا أنتم ـ أيّها المسلمون ـ (شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) ، بهذا المعنى لا بدّ أن يكون الناس من غير المسلمين ، ويحب أن ندخل اليهود ضمن الناس ، في حين أنّ ظاهر الآية يرشدنا إلى معنى آخر ، فالناس هنا هم المسلمون أنفسهم ، إذن الجملة (سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) هو عنوان خاص ومرتبط بجماعة خاصّة. وهذه الجماعة الخاصّة لها عدّة خصائص يمكن أنّ نستفيدها من الآية الكريمة.
أحد هذه الخصائص التي غفلنا عنها في البداية ، هو نفس هذا الخطاب ـ (وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ) أي أنّكم مكلّفون بطيّ جميع مراحل المجاهدة ، لما ذا؟ لأنّ الله هو الذي اختاركم ، أنتم لستم أفراداً عاديين تريدون أن تقوموا بتكاليفكم بين الناس العاديين.
ونفس الخطاب هذا لا يمكن أن يكون موجّهاً إلى كافّة الناس (وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ) بتعليل (هُوَ اجْتَباكُمْ) ، أي لا يصحّ القول أن الله سبحانه وتعالى لمّا اجتباكم واختاركم ، القى على عاتقكم مسئوليّة أكبر وأثقل ، وهل أنّ هذا التعبير يتناسب مع عامّة الناس؟ وهل هذا التكليف يمكن أن يتوجّه إلى النّاس كافّة؟
الآية بنفسها تدلّنا على أنّ المسألة ليست بهذا الشكل ، والمخاطب والمكلّف المسمّى بالمسلمين وأبناء إبراهيم هم أفراد خاصّ من المسلمين ، فهم من جهة لا ينطبق عليهم عنوان الرسول ، ومن جهة اخرى ليسوا من الناس العاديين ، وهذا ما يدلّنا أنّهم يحملون عنواناً خاصّاً بين الرسول وبين الناس ، ومسئوليّتهم أكبر وأصعب بكثير من مسئوليّة عامّة النّاس.
هذه الآية لوحدها ومن دون أن ندعمها بآية اخرى أو برواية صحيحة وردت في تفسير هذه الآية ـ وسنتعرّض إليها لتأييد ما قلناه فيما بعد ـ تشير إلى أن هناك عنواناً آخر يتوفّر على جميع هذه الخصائص. والآن نتطرّق إلى آية اخرى تساعد في فهم الآية (سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ
