فهل أنّ الضمير كم يعود على كافّة المكلّفين ، كافّة المسلمين؟ إذن لما ذا تقول الآية (وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ)؟ فالناس هنا خارج دائرة الخطاب ، فهنا عنوان آخر ومجموعة اخرى لا ينطبق عليها عنوان الرّسول ولا عنوان النّاس ، ومشخّصات الآية تعكس لنا مشخّصات هذه المجموعة.
والآن نلقي نظرة على هذه المشخّصات ، ومن ثمّ نستعرض آية اخرى ذات علاقة بهذا الموضوع ، ومن خلال هاتين الآيتين سنتوصّل إلى نتائج باهرة على مختلف الأصعدة.
أحد خصائص الآية الكريمة هي قوله تعالى : (هُوَ اجْتَباكُمْ) ، فالاجتباء والاصطفاء بمعنى الاختيار والانتخاب ، وما نلاحظه هو أنّ الله تبارك وتعالى استعمل كلمتي «الاصطفاء والاجتباء» لخواصّه والمقرّبين إليه ، قال تعالى : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ)(١) هنا وردت مفردة الاصطفاء ، وفي آية اخرى وردت مفردة الاجتباء وهو قوله تعالى : (يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ)(٢).
أي أنّ الرّسول بما أنّه رسول ليس له صلاحيّة الاجتباء ، فالاجتباء يعني الاختيار على أساس خصائص ومميّزات محدودة تتوفّر لدى بعض الأفراد ، وقوله تعالى (هُوَ اجْتَباكُمْ) إنّكم تتوفّرون على الخصوصيّة أو الميزة التي تجعلكم مجتبون من قبل الله تعالى. والسؤال هو : هل يمكن لنا أن نعمِّم مفهوم (هُوَ اجْتَباكُمْ) على عامّة النّاس أو المسلمين الحقيقيين ، فنقول : إنّ المسلمين مجتبون من قبل الله وأنّهم مصطفون؟ ونلاحظ أن هناك ثمّة خصوصيّة وميزة معيّنة ترافق هذا التعبير وهذه العبارة ، فالآية في بدايتها تقول (هُوَ اجْتَباكُمْ) أي أنّ
__________________
(١). آل عمران : ٣٣.
(٢). آل عمران : ١٧٩.
