والقصاص يريد بذلك أن يخرج هذه الموارد من قاعدة لا حرج على أنّها لا تعدّ من مستثنيات القاعدة. وفي الحقيقة إنّ الاستثناء في هذه الموارد هو من قبيل الاستثناء المنقطع ، ولا علاقة له بقاعدة لا حرج أبداً.
والسؤال هنا كيف نرفع إشكال التنافي بين القاعدة وهذه الموارد الحرجيّة.
توجد هناك عدّة ردود على هذا السؤال.
منها : ما قيل من أنّه لا مانع لأن تكون هناك تكاليف حرجيّة ، وفي نفس الوقت لا تتنافى مع ثبوت القاعدة المذكورة. والسؤال الذي يطرح هنا هو : كيف نتعامل مع أدلّة النفي؟ وقد أجاب أصحاب هذا القول بجوابين :
أحدها : إنّنا نعتبر هذه الأدلّة مخصّصة لقاعدة نفي الحرج. وبعبارة اخرى : إنّ قاعدة نفي الحرج هي قاعدة فقهيّة عامّة. وعليه فكما تكون الإطلاقات الفقهيّة الاخرى قابلة للتخصيص ، فكذلك من الممكن أن نلتزم بهذا المعنى أيضاً في خصوص قاعدة (لا حرج) ، وقد قلنا : إنّ مجرّد كون قاعدة لا حرج في مقام الامتنان ، لا يعني أنّ احتمال التخصيص فيها ممتنع ، وأنّ الموارد التي ذكرناها وغيرها تخرج من القاعدة بحجّة التخصيص.
الثاني : إنّ قاعدة لا حرج بالأساس لم يلحظ فيها جهة العموم بالشكل الذي يتصوّر ، وإنّما هي بالأصل محدودة وفي نطاق خاصّ وفي موارد خاصّة ، وبناءً على ذلك يقال في معنى الآية الشريفة : (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا) إنّ الإصر الذي كان على الامم السابقة غير موجود في هذه الامّة ، والشاهد على ذلك آية اخرى هي قوله تعالى : (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ)(١) أي أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله مهمّته أن يضع عن الناس ما كانت
__________________
(١). الأعراف : ١٥٧.
