كانت التخصيص غير مستحيل بالنسبة لها. ومن جهة اخرى هناك بعض التكاليف الإسلامية التي إذا لاحظها الإنسان فسوف يجد فيها حرجاً شديداً ، وهذه التكاليف لو قيست بالموارد التي نفي فيها الإلزام والوجوب استناداً إلى قاعدة نفي الحرج ، لشاهدنا أنّ الحرج الموجود في تلك التكاليف أشدّ بكثير من هذه الموارد ، ومع ذلك لم يصدر فيها أيّ حكم للنفي. الموارد التي نتحدّث عنها كثيرة منها : الجهاد. فالجهاد مع ما فيه من تبعات وآثار يمكن أن نقول عنه بأنّه يتضمّن كثيراً من الحرج والقتل والإعاقة وحتّى تلاشى الجسد وتلف الأموال وغير ذلك من المصائب.
وهنا نسأل : أليس الجهاد أمر حرجي؟ فالجهاد في نفسه يبدو في الوهلة الاولى أنّه تكليف حرجي من دون أن نحتاج في ذلك إلى أن نعقد نسبة بينه وبين موارد الحرج. ولكن فلو فسّرنا الحرج بمعنى الضيق والشدّة والصعوبة فسوف يتّضح لنا أنّ الجهاد يتضمّن أعلى مراتب الشدّة والضيق. ومع ذلك نلاحظ أنّ تكليف الجهاد لا يرتفع بقاعدة لا حرج. هذا أوّلاً.
وثانياً : إذا أردنا أن نعقد نسبة بينه وبين بعض الموارد التي تتضمّن شيئاً يسيراً من الحرج ، فهذا ما يعقد المسألة بصورة أكبر. حيث نشاهد أنّ بعض الموارد فيها شيء يسير من الحرج قد شملتها القاعدة ، مثال ذلك الصوم بالنسبة للمسافر. والآية في هذا الخصوص بيّنه الدلالة حيث جاء فيها : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) * (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)(١).
هنا إذا أردنا أن نقيس هذه الموارد بالجهاد ، ألا يتضح من خلال المقايسة بينهما أنّ الجهاد أكثر حرجاً من صوم المسافر؟ وهناك موارد اخرى منها : إنّنا نقرأ
__________________
(١). سورة البقرة ، ١٨٣ ـ ١٨٤.
