إذن ما يقول المرحوم الشّيخ الأنصاري قدسسره هو أنّ الآية : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) تعتبر دليلاً حاكماً ، ولذا لا داعي لأنّ نلحظ النسبة ، كما أنّه لا يلزم أن يكون هناك حرج خارجيّ ، لأنّ العبارة حاكمة وجاءت في مقام الإخبار ، وهي ناظرة إلى المجعولات ، أي الامور التي هي ترتبط بالباري جلّ وعلا ، خصوصاً وأنّ الآية ورد فيها «في الدين» يعني مجموعة التكاليف ، سواء اشتملت كلمة الدين على العقائد ، أو لم تشتمل ، فهذا ما لسنا بصدده وخارج عن موضوع بحثنا. ما يهمّنا من كلمة (فِي الدِّينِ) هو الجانب الفقهي ، ففي الدين يعني في المقرّرات الإسلامية ، وفي الأحكام الإلهيّة ، في الوجوبات والتحريمات وأمثال ذلك.
فلو كانت العبارة هي كالتالي «(ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي) التكاليف (مِنْ حَرَجٍ)» إذن تكون واضحة في دلالتها على الوضوء والغسل والصوم وغير ذلك من التكاليف التي تشكّل بمجموعها مفهوم الدين ، فحتّى لو لم تكن هناك عبارة (فِي الدِّينِ) فإنّ معنى حاكميّة هذه القاعدة ظاهرة من خلال العبارة ، ولكن عبارة (فِي الدِّينِ) توضح المسألة بشكل أكبر. وتوحي أنّ مجموعة الأحكام ما جعل فيها الباري تبارك وتعالى من حكم حرجي ، وإذا كان الإطلاق الموجود في بعض الأدلّة يقيّد تعيّن الوجوب في الوضوء حتّى في حال الحرج ، فإنّ حقيقة الأمر ليس كذلك ، ووجوب الوضوء ليس مجعولاً.
إذن عبارة «في الدين» لها دخل في قاعدة نفي الحرج. فإنها تخرج المسألة عن باب التعارض فلا يبقى أي مجال للقول بأنّ قاعدة نفي الحرج تقع في موازاة دليل وجوب الوضوء ، وبعبارة اخرى : إنّها بقوّة الأدلّة التي تدلّ على الإيجاب وتشرع الأحكام.
أضف إلى ذلك أنّ رواية عبد الأعلى التي بحثناها سابقاً تحكي عن الإمام
