المسألة الأولى : مدرك القاعدة ومستندها :
لقد تمسّك العلماء بالأدلّة الأربعة لإثبات هذه القاعدة ، ولكي نرى مدى صحّة هذا الادّعاء ومدى سقمه ينبغي لنا مناقشة الأدلّة واحداً بعد واحد ، فلنبدأ من كتاب الله تبارك وتعالى.
لقد طرحت هناك عدّة آيات من القرآن الكريم كسند لقاعدة لا حرج :
الآية الأولى : الواردة في سورة الحج (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) حيث يقول الله عزوجل : (وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ)(١).
قد يتصوّر الإنسان لأوّل وهلة من قراءة الآية الكريمة (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) إنّ الخطاب لجميع المكلّفين ولجميع المسلمين ، وهذا ما قد يستدلّ عليه من خلال مفردات الآية الشّريفة.
لذلك ذهب المفسّرون من أهل السّنة مثل صاحب «المنار» إلى هذا المعنى ، وأنّ المراد من قوله : (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً)(٢) هم العرب ، بالخصوص ، واستدلّ بذيل الآية حيث يقول : (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(٣) حيث إنّ العرب كانوا على بُعدٍ من التذكية والتعليم وتلاوة الكتاب ، فبملاحظة هذه النكتة ذكر إبراهيم وإسماعيل في ذيل دعائهما : «إنّ الله هو العزيز الحكيم» أي قادر على أن يجعل العرب البعيد من التعليم والتربية تحت تعليم الرسول وتزكيته إيّاهم بالقدرة التوأم
__________________
(١). الحج : ٧٨.
(٢). البقرة : ١٢٨.
(٣). البقرة : ١٢٩.
