نعتبرها حكماً ولائيّاً ضمن دائرة ولاية رسول الله بعنوان المتصدّي للأمر كما هو الحال في قاعدة لا ضرر ، فقاعدة لا حرج غير منظور فيها هذا اللحاظ ، وهذه من أكبر الامتيازات التي تمتاز بها قاعدة لا حرج على قاعدة لا ضرر. حيث إنّ قاعدة لا ضرر يحتمل أن لا تكون لها أيّة علاقة بالفقه ، وأمّا قاعدة لا حرج فإنّ مثل هذا الاحتمال غير متصوّر فيها ، ومن هنا فإنّ قاعدة لا حرج تكون ذات أولويّة بالنسبة لقاعدة لا ضرر. ومع الأخذ بنظر الاعتبار لهذه الخصوصيات نقول :
إنّ أوّل من بحث قاعدة لا حرج هو المحقّق ملّا أحمد النراقي رضوان الله تعالى عليه في كتابه «عوائد الأيّام» وهو من الكتب القيّمة والمفيدة ، وقد بحثت هذه القاعدة هناك ولكن ليس بالتفصيل ، وفي زماننا الحاضر فإنّ المرحوم آية الله البجنوردي قدسسره قد بحثها في كتابه «القواعد الفقهية» الذي يقع في سبعة مجلّدات تقريباً ، وهو من الكتب القيِّمة والنّفيسة جدّاً ، خاصّة إذا أخذنا بنظر الاعتبار شخصية المؤلّف العلميّة حيث يعدّ من أكابر الفضلاء والمحقّقين ، وقد كتب هذا الكتاب بقلم شيّق وأسلوب بليغ.
وكلّ من كتب بعد المرحوم النراقي قدسسره في هذا المجال ، تحتم عليه أن يتطرق إلى هذه القاعدة.
وفي بحثنا لهذه القاعدة ، هناك عدّة جوانب يجب أنْ نتعرّض لها ، منها سند هذه القاعدة ، حيث رأينا أنّ من المناسب أنْ نلاحظ السند أوّلاً قبل كلّ شيء ، ومن ثمّ وبعد ذلك بيان معنى كلمة الحرج ، وحدود هذه الكلمة ، وهذا بحث لاحق يأتي تباعاً ، ويتعيّن علينا في أطار بحثنا هذا أن نتدارس معاني ودلالات المفردات والعبارات ضمن سياق الآيات والروايات. وعلى ضوء ما تحمله هذه العبارات من دلالات ومعاني نكون على أتمِّ الاستعداد في الدّخول في البحث ، إذن أوّل محطّة لا بدّ أن نتوقّف عندها في قاعدة لا حرج هي مسألة مدرك هذه القاعدة.
