(فان قلت) لا إشكال في ان الارادة التكوينية هو الشوق المؤكد الذي يشرف بصاحبه على فعل المراد ويبعثه اليه فاذا احب العاقل فعلا فى وقت ما فلا يعقل ان يحركه شوقه اليه مهما اشتد قبل حضور ذلك الوقت الذي لا يحصل غرضه من ذلك الفعل الا فيه وهذا أمر مفروغ عنه فى الارادة التكوينية واما التكليف فهو عبارة عن الارادة التشريعية وهي مثل الارادة التكوينية إلا أن متعلق الاولى فعل الغير ومتعلق الثانية فعل المريد نفسه ومعه كيف يعقل أن يكون التكليف بشيء مقيد بوقت ما فعليا قبل حضور ذلك الوقت (قلت) هذه شبهة فى قبال الوجدان أليس يجد الانسان نفسه مكلفا شرعا وعرفا باعمال ذات مقدمات شتى في الكثرة وهو يجد التكليف بتلك الاعمال متوجها اليه ومنجزا عليه قبل الاتيان بشيء من مقدماتها بل إنما يأخذ ويشرع بفعل المقدمات بدافع ذلك التكليف الذي يجده متوجها اليه وهكذا الأمر بل هو اجلى في وجوب الواجب المركب من اجزاء متدرجة فى الوجود فانه لا إشكال في تحقق التكليف بذلك المركب قبل الشروع بفعل جزء من اجزائه وان المكلف يأتي بكل جزء من اجزاء ذلك الواجب بدعوة ذلك التكليف المتوجه اليه وبناء على ما ذكر فى الاشكال يلزم أن لا يتحقق التكلف بالعمل ذي المقدمات قبل الاتيان بها وكذلك لا يتحقق التكليف بالجزء الثاني من الواجب المركب قبل الاتيان بالجزء الاول وهو كما ترى (والسر فى ذلك) هو ان العاقل اذا تعلق له غرض بفعل غيره ولم يجد مانعا من طلبه طلبه منه على النحو الذي يوجد عليه ذلك الفعل سواء كان مركبا أم بسيطا وسواء كان مما يتوقف وجوده على فعل مقدمات ام لا هذا فى الارادة التشريعية (وهكذا الامر) بعينه فى الارادة التكوينية فانا نرى بالوجدان ان الغافل اذا اراد أمرا مهما فيما يأتي من الزمان كما لو شاء ان ينشئ سفرا في غد مثلا فانه يأخذ فى يومه بل من ساعته في الاستعداد له وتحصيل مقدماته التي يتوقف عليها في ظرفه ومن الواضح ان ارادة هذه المقدمات لم تنشأ في نفس مريد السفر غدا الا من ارادته للسفر فى ظرفه فاذا كانت الارادة النفسية علة للارادة المتعلقة بالمقدمات يستحيل وجود ارادة المقدمات قبل وجود الارادة المتعلقة بذي المقدمات.
(فان قلت) حقيقة التكليف هو جعل ما يمكن أن يكون داعيا للمكلف الى
