موحّدى ؛ ... آدم قصد شجرة وفيها للعدو نصيب ، فأصابه من الذلّ والمحن والخروج من الجوار ما أصابه. والشجرة التى هى فى موضع نظرى ومقام معرفتى إذا قصدها الشيطان أتراني أسلمها له ، وأنا أنظر إليها كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة لحرمتها ؛ أفترانى أسلمها للشيطان إذا قصدها! بل أطرده وأكافئه كما كافأت آدم ، حين قصد شجرة فيها للعدو نصيب أخرجته منها لنصيبه ، والشجرة التى هى نصيبى أكافئه بأن أضع ذنوبك على عنقه ، وأدخلك الجنة لنصيبى فيك.
فإن قلت : قد اختلفت الألفاظ فى قصة موسى ؛ ففي موضع قال : آتاها ، وفى موضع : جاءها. وفى آية (١) : (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ). وفى آية : (إِنِّي أَنَا اللهُ)؟
فالجواب إن لفظ جاء وأتى بمعنى واحد ، لكن كثر هنا لفظ الإتيان ؛ نحو : فأتياه ، فلنأتينّك ، ثم أتى ، ثم ائتوا صفّا. وكثر فى النمل لفظ جاء ، نحو : فلما جاءهم. وجئتك من سبأ. فلما جاء سليمان.
وإنما أبرز الضمير فى هذه الآية بقوله : ربك ؛ لأنه خاطبه مرّتين ، كل مرة بما يليق به ؛ ففي الأولى أظهر له النعم فى إنجائه من فرعون ، وتحنّن شعيب له ، وإكرامه بالكلام. فلما تأنّس وزالت عنه الدهشة خاطبه بالألوهية المشعرة بالخوف من هذا الاسم العظيم.
فسبحان اللطيف بعباده ، المنعم عليهم بنعمه : خلقهم بلا مثل ، وصورهم بلا مشاورة ، وريّاهم بلا قوة ، وهداهم بلا شفاعة ، ورزقهم بلا دعوة ، وأمرضهم بلا واسطة ، وشفاهم بلا دواء ، وأماتهم بالعدل ، وأحياهم بالقدرة ، وغفر لهم بالرحمة.
__________________
(١) طه : ١٢
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
