وتضمنت الآية الإشعار باتصاف الله تعالى بالقدرة والعلم ؛ فالقدرة بقوله (١) : (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ) ، وهذا للعلم. وعطف ما يسرون وما يعلنون للتسوية ؛ فهو أمر استأثر الله به ، كما قال (٢) : (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ).
(وَإِنَ (٣) لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً) : لما كان التفكر منفعة عامة فى العاقل وغيره أعقبه بالمنفعة الخاصة بالعاقل ، وأكّده بأنّ واللام لغفلة المخاطب عن الاعتبار والتذكر ، لا لكونه منكرا لذلك. وقد قدمنا فى حرف الفاء أن زيادة لكم تنبيه على العبرة ، والعبرة يراد بها الاتّعاظ ؛ لقوله : (فَاعْتَبِرُوا (٤) يا أُولِي الْأَبْصارِ).
(وَمِمَّا (٥) يَعْرِشُونَ) : قد قدّمنا أن الله تعالى أوحى إلى النحل أن تتخذ البيوت فى الجبال والشجر وبيوت الناس حيث يعرشون ؛ أى يبنون العروش ، فلا ترى للنحل بيوتا فى غير هذه الثلاثة البتة.
وتأمل كيف كان أكثر بيوتها فى الجبال ، وهو المتقدم فى الآية ، وفى الأشجار وهى دون ذلك ، ومما يعرش (٦) الناس ؛ وهى [٢٨٧ ب] أقلّ بيوتها.
وانظر كيف رآها حسنة الامتثال إلى أن اتّخذت البيوت قبل المرعى فهى تتّخذها أولا ، فإذا استقرّ لها بيت خرجت منه ورعت ، فأكلت من كلّ الثمرات ، ثم أوت إلى بيوتها ؛ لأن ربّها سبحانه أمرها باتخاذ البيوت أولا ، ثم بالأكل بعد ذلك.
قال فى عجائب المخلوقات : يقال ليوم عيد الفطر يوم الرحمة ؛ إذ فيه أوحى
__________________
(١) النحل : ١٧
(٢) لقمان : ٣٤
(٣) النحل : ٦٦
(٤) الحشر : ٢
(٥) النحل : ٦٨
(٦) فى الأصلين : ومما يعرشون الناس.
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ٣ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4333_mutarak-alaqran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
