ولا شك أن كل مركّب من خاص وعام له جهتان ؛ فقد يقصد من جهة عمومه ، وقد يقصد من جهة خصوصه. والثانى هو الاختصاص ، وأنه هو الأهم عند المتكلم ، وهو الذى قصد إفادته السامع من غير تعرض ولا قصد لغيره بإثبات ولا نفى ، ففي الحصر معنى زائد عليه ، وهو نفى ما عدا المذكور ، وإنما جاء هذا فى : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ؛ للعلم بأن قائليه لا يعبدون غير الله ، ولذا لم يطرد فى بقية الآيات ؛ فإن قوله (١) : (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ). لو جعل (٢) فى معنى ما يبغون إلا غير دين الله ، وهمزة الإنكار داخلة عليه ـ لزم أن يكون المنكر الحصر ، لا مجرد بغيهم غير دين الله ، وليس المراد. وكذلك (٣) : (آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ) المنكر إرادتهم آلهة دون الله من غير حصر.
وقد قال (٤) الزمخشرى فى (٥) : (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). فى تقديم الآخرة وبناء يوقنون على هم تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ، وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان ، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.
وهذا الذى قاله الزمخشرى فى غاية الحسن.
وقد اعترض عليه بعضهم ، فقال : تقديم الآخرة أفاد أن إيقانهم مقصور على أنه إيقان بالآخرة لا بغيرها. وهذا الاعتراض من قائله مبنىّ على ما فهمه من أن تقديم المعمول يفيد الحصر ، وليس كذلك. ثم قال المعترض : وتقديم هم أفاد أن هذا القصر يختص بهم ، فيكون إيقان غيرهم بالآخرة إيمانا بغيرها حيث قالوا (٦) : (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً). وهذا منه أيضا استمرار
__________________
(١) آل عمران : ٨٣
(٢) فى ا : فجعل.
(٣) الصافات : ٨٦
(٤) الكشاف : ١ ـ ١٨
(٥) البقرة : ٤
(٦) البقرة : ٨٠
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
