من فرسانهم لعمرك إن دار كريم أبناء الدنيا تتحمل من تطفّل عليه فكيف بأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين؟ وإن كانت بعض الأوجه لا تعد من إعجازه فإنما ذكرتها للاطلاع على بعض معانيه ؛ فيثلج (١) له صدرك ، وتبتهج نفسك. فإن وجدت له حلاوة فلا تنس أخاك الغريق بدعوة أن يتفضل عليه سبحانه فى دار كرامته بخلق سمع وقوة حتى يدرك به كلامه القديم ، فإنه منعه فى هذه الحياة الدنيوية لذيذ المناجاة له بسبب ذنوبه ؛ مصداقه قوله تعالى (٢) : (سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ).
وانظر إلى ما صح عن كليمه موسى عليهالسلام أنه كان يسد أذنيه لئلا يسمع كلام الخلق ؛ إذ صار عنده كأشد ما يكون من أصوات البهائم المنكرة ، حتى لم يكن يستطيع سماعه بحدثان (٣) ما ذاق من اللذات التى لا يحاط بها ولا تكيّف عند سماع كلام من ليس كمثله شىء جل وعلا.
ولو لا أنه سبحانه يغيّبه عما ذاق عند مناجاته مما لا يقدر على وصفه لما أمكن أن يأنس إلى شىء من المخلوقات أبدا ، ولما انتفع به أحد ، فسبحانه من لطيف ، ما أوسع كرمه وأعظم جلاله!
ومن أعجب الأمر فى هذا عدم ذوبان اللذات وتلاشيها حتى تصير عدما محضا عند اطلاعها من ذى الجلال عما اطلعت عليه ، لو لا أنه أثبتها وأمسكها ، يشهد لهذا ما صح عن ابن الأسمر ـ وكان من الأبدال (٤) ـ أنه رأى مرة فى نومه حوراء كلمته فبقى نحو شهرين أو ثلاثة لا يستطيع أن يسمع كلاما إلا تقيأه.
__________________
(١) الفعل كنصر وفرح.
(٢) الأعراف : ١٤٦.
(٣) حدثان الأمر ـ بالكسر : أوله (القاموس).
(٤) فى القاموس : الأبدال قوم بهم يقيم الله عزوجل الأرض ، لا يموت أحدهم إلا قام مقامه آخر من سائر الناس (بدل).
![معترك الأقران في إعجاز القرآن [ ج ١ ] معترك الأقران في إعجاز القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4331_mutarak-alaqran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
